ليست كل الدول متشابهة في طريقة تفكيرها، ولا في تعريفها للذكاء. فهناك دول ذكية بالمعنى الحضاري؛ تبني، وتُعمّر، وتفكر أبعد من حدودها الضيقة، لأنها تدرك أن ازدهارها الحقيقي لا ينفصل عن استقرار محيطها. دول فهمت أن إعمار الأرض لا يتم بالخراب، ولا بالعبث، ولا بتغذية الفوضى، بل بالتكامل، وبصناعة المصالح المشتركة، وبإدارة الخلافات بعقل بارع وحكمة بعيدة المدى. وفي المقابل، هناك دول أخرى أخطأت تعريف الذكاء، فخلطته بالخبث، واعتقدت - واهمة - أن صعودها يمر حتما عبر إضعاف الآخرين، وأن نفوذها لا يتحقق إلا بزرع الفتن، وتحريك المؤامرات، والرهان على انهيارات الجيران.

هذه الدول تنزعج من أي نجاح لا تمر عبره، وتغتاظ من أي دولة تثبت أن التنمية ممكنة دون ضجيج، وأن القوة يمكن أن تكون مسؤولة لا متهورة. ولذلك لا ترى في الإعمار إلا تهديدا، ولا في السلام إلا خسارة، ولا في الحكمة إلا ضعفا. فتستثمر في الفوضى، وتراهن على الاستنزاف، وتُكثر من المكائد، غير مدركة أن التاريخ لا يحفظ أسماء العابثين، بل يسجلهم كهوامش سوداء انتهت خارج الزمن.

ولو سألت أبسط الناس فهما وعلما، عن المملكة العربية السعودية، لأجابك بلا تردد: هي دولة ذكية حكيمة. دولة تبني ولا تهدم، تُبادر ولا تنتظر، تمد يد العون لكل منكوب ومستضعف. تفعل ذلك بالدبلوماسية حين تكون الدبلوماسية أجدى ، وبالقوة المشروعة حين لا يكون للسكوت معنى. دعمها ليس استعراضا، بل فعلا مسؤولا؛ عاجلا في الطوارئ، ممتدا بامتداد الأزمات والكوارث، حاضرا في الإغاثة، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي تثبيت الاستقرار حيث يتطلب الأمر رجال دولة لا تجار أزمات.


وفي زمن صارت فيه الفوضى تُسوّق كتحرر، والانقسام يُقدَّم كحل، تقف المملكة العربية السعودية في موقعٍ مغاير تماما. تدعو إلى وحدة الدول، وحفظ السيادة، ورأب الصدع. تريد لسوريا أن تتماسك، ولليمن أن ينهض، وللسودان أن يخرج من دائرته المغلقة، وللصومال أن يستعيد دولته. هذا ليس ترفا أخلاقيا، بل إدراكا عميقا بأن تفكك الجوار خطرٌ مؤجّل، وأن الخراب حين يبدأ لا يعرف حدودا.

ديدن المملكة العربية السعودية السِّلم، والحِلم، والحكمة، خصوصا مع أشقائها وجيرانها. لكنها - وهذا الفارق الجوهري - لا تخلط بين الحِلم والضعف، ولا بين الحكمة والتراخي. فهي لا تقبل الظلم على نفسها ولا على غيرها، ولا تسمح بالمساس بأمنها وسيادتها . هذه معادلة سعودية واضحة: يدٌ ممدودة للسلام، وأخرى ثابتة تحمي الوطن. من يفهمها يحترمها، ومن يجهلها يختبر ما لا يحتمل.

ومن يراهن على إرباك السعودية ، يكرر أخطاء من سبقوه حرفيا. لكن النتيجة واحدة: خروج من التاريخ. فالسعودية تتعامل مع أمنها الوطني بجدية وحزم، قيادةً وشعبا، ومعها محبوها من حول العالم، وهم كثر، لأنها ليست دولة عابرة في الجغرافيا، هي قبلة المسلمين، وحاضنة الحرمين، وركيزة ثابتة في السياسة، سجلّها العملي كافٍ، ومواقفها المتراكمة أبلغ من أي خطاب. وميزان عقل في عالم يضج بالتهور. ومن لا يفهم السعودية اليوم، سيفهمها غدا... ولكن بعد فوات الأوان.