لم تكن نورة اسماً عابراً في ذاكرة الجيل السابق، بل كانت هيئة أخلاق، وصوت الحكمة، وطريقة حياة وطوق نجاة لنا.

نورة ليست أمي فقط ولا امرأة بعينها، بل نموذج إنساني تشكل في زمن كانت فيه القيم تمارس كحياة، وكانت النوايا صافية، تقدم بوصفها فضيلة كبرى لا سذاجة، هي المرأة التي ترى في كل حدث قصة قابلة لأن تروى، وفي كل عثرة درساً يستحق التأمل، وفي كل إنسان احتمالية الخير أقوى من الشر.

فالنساء في زمنهم عوالم تمشي على الأرض خفيفات الروح، وكأنهن خلقنا لترميم كل انكسار بالمجتمع، وجعل كل امرأة بالمجتمع مجتمع آخر كامل، من باب المدح لا المبالغة.


نورة هي ابنة الزمن الذي كان فيه البيت مدرسة أولى، والشارع امتداداً للأخلاق، والجيران عائلة موسعة، وكانت تحسن الإصغاء قبل أن تحسن الكلام، وتفهم أن العلاقات لا تُبنى على الصخب، بل على الثبات، وحين تختلف مع أحد لا تشهر لسانها، بل تبحث عن ألف عذر لتصون العشرة، وحين تخطئ تعترف دون أن تبرر، كانت تعرف أن النوايا الطيبة ليست ضعفاً، بل شجاعة ناعمة في عالم قاس.

في حياة نورة تتحول التفاصيل الصغيرة إلى حكايات كبرى، وفنجان القهوة مع الجارة يصبح تاريخاً مشتركاً، ومرض أحد الأبناء مناسبة لتكافل الحي بأكمله، وعودة الأب متعباً من العمل حدثاً يستقبل بالسكينة لا بالشكوى، كانت تؤمن أن الحياة لا تقاس بما نملك، بل بما نبقيه دافئاً في قلوب الآخرين.

تعرف أن الكلمة إذا خرجت صارت قدراً على قائلها، نورة مثلت جيلا كان يرى في الصبر مهارة اجتماعية، وفي الستر قيمة أخلاقية، وفي حفظ الود مسؤولية لا تقل أهمية عن حفظ الاسم، لم تكن تكثر الكلام عن المبادئ، لأنها كانت تمارسها كنمط حياة، إذا وعدت أوفت، وإذا غضبت صمتت، إذا أحبت احتوت، كانت ترى أن المجتمع لا يبنى بالقوانين وحدها، بل بالقلوب التي تحسن الظن.

في مواقف الحياة اليومية، كانت نورة تعيد تشكيل المشهد الإنساني مع صوت الهاون فجراً، حين يخطئ طفل لا تهينه بل تقومه، وحين تتعثر جارة لها لا تحاكمها بل تمسك بيدها، حتى الخصومات كانت تمر من باب الكرامة، كانت ترى أن القطيعة هزيمة، وأن الإصلاح انتصار أخلاقي حتى لو كان ذلك مكلفاً نفسياً.

ذلك الجيل الذي تمثله نورة لم يكن جيلا مثالياً، لكنه كان أكثر تصالحاً مع فكرة أن الإنسان قابل للخطأ والصواب، لم يكن يقدس الصورة بل جوهرها، لم يكن يجيد التجميل لكنه أتقن الصدق، حيث كانت العلاقات تدار بالقلوب قبل العقول وبالنوايا قبل المصالح.. لذلك يقال:

ليت العرب نورة ليس حنيناً للماضي، بل بحثاً عن النمذجة التي تعيد الإنسان لمكانته الزحام، ونورة ليست امرأة فقط، بل فلسفة حياة وتعايش.

أن ترى في الآخر إنساناً قبل أن تراه موقفاً، وأن تحول الحياة إلى قصة جميلة تُروى، لا معركة تخاض، في عالم أصبحت القسوة تدار ببراعة، نحتاج نورة لا لتعود، بل لكيف نصبح مثلها.

القيم التي لا تعاش تتحول مع الوقت إلى لافتات معلقة على الجدران الواقعية والعالم الافتراضي، تقرأ ولا تحس، وتردد بدون تجسيد، وتصبح كلمات أنيقة في الخطب، ومفردات رنانة بالمناهج، فارغة من أي دفء، فالقيم لا تكتسب من تعريفاتها بل من أثرها في نمط الحياة والسلوك اليومي، وكما يسمى اليوم باللايف ستايل، وحين تنفصل القيم عن الممارسة تفقد قدرتها على الإقناع، وتغدو مجرد شعارات باردة لا تربي إنساناً، ولا تنشئ حضارة.

في النهاية لا نبحث عن نورة بوصفها شخصاً يستعاد من زمن مضى، بل كقيمة يجب أن تبعث من هذا الزمن، نورة هي الامتحان الأخلاقي الصامت لكل مجتمع: هل مازلنا نؤمن أن الإنسان يستحق الفهم قبل الإدانة؟، وأن الرحمة قوة لا ضعفاً؟، وأن الفلسفة التي تمثلها نورة تقول: إن العالم لا ينهار بالشر وحده، بل حين يتعب الخير من المحاولة.

ختاماً: «بعض النساء لا يذكرن بالتاريخ، ولكن التاريخ كله يسير على خُطى أخلاقهن كأمي ومن مثلها نورة».