لا يزال التاريخ يذكر الصدمة التي أحدثها تقرير «أمة في خطر» (A Nation at Risk) في ثمانينيات القرن الماضي، حين استشعرت الولايات المتحدة خطر التراجع التعليمي أمام التفوق السوفيتي آنذاك. ذلك التقرير لم يكن مجرد صرخة إصلاح، بل كان «إعلان استنفار» وطني أدرك أن الأمن القومي والسيادة الاقتصادية يبدآن من مقاعد الدراسة. ورغم توالي التقارير المحلية والإقليمية التي نادت بإصلاح التعليم العام، إلا أننا اليوم أمام سؤال أكثر إلحاحاً ومصيرية: ماذا عن جامعاتنا؟ وهل استشعرنا حجم «الخطر» الكامن في مخرجات التعليم العالي؟

المتأمل في واقع التخصصات العلمية الأصيلة كالفيزياء، الكيمياء، والرياضيات، يجد أننا أمام معضلة «الموسوعية الضحلة». جامعاتنا اليوم تخرج جيلاً يملك قشوراً من كل شيء، لكنه لا يكاد يتعمق في شيء. يدرس الطالب «مبادئ» الفيزياء و«أساسيات» الكيمياء، لكنه يفتقر إلى الأدوات التي تجعل منه «عالماً» قادراً على إنتاج المعرفة أو انتزاع السبق العلمي في ميادين التنافسية العالمية.

لقد حان الوقت لنسأل بوضوح: لماذا تغيب عن أقسامنا العلمية روح «التخصص الدقيق» منذ اللبنة الأولى؟ إن العالم اليوم لا يُبنى بالعموميات، بل بالتخصصات العميقة التي تصنع الفارق. نحن بحاجة إلى أقسام فيزياء تخرج علماء متخصصين في «النسبية»، أو «الليزر»، أو «ميكانيكا الكم»؛ تخصصات ينغمس فيها الطالب من بداية مسيرته حتى تخرجه، ضمن مشاريع بحثية ترعاها الجامعات كاستثمارات وطنية، لا كمتطلبات أكاديمية روتينية.


المنافسة العالمية والاستحواذ على المعرفة العلمية ليسا ترفاً، بل هما الركيزة الأساسية لصناعة التنافسية في عصر الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي. ولن نصل إلى هذه المنصة ما لم تتحول الكوادر الجامعية والمقررات الدراسية من مجرد «ناقل للمعرفة» إلى «صانع للمنافسة».

إننا بحاجة إلى «مشروع وطني» داخل الجامعات يتبنى الطلاب المبدعين كـ «منتج إستراتيجي» يخدم العلم أولاً، ويضع اسم الوطن في مراكز الصدارة بين الدول. إن الفصل بين مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا في مسألة «التعمق» هو هدر للزمن والعقل؛ فالعالم المبدع هو من يبدأ شغفه وتخصصه مبكراً تحت رعاية مؤسسية تدرك أن قيمة الجامعة لا تُقاس بعدد خريجيها، بل بحجم المعرفة الأصيلة التي يقدمها هؤلاء الخريجون للعالم.

هل سنرى قريباً أقساماً جامعية تجرؤ على كسر القالب التقليدي لتخرج لنا «علماء» ينافسون في مختبرات العالم ومراكز أبحاثه؟ إن «الجامعات التي في خطر» هي تلك التي تكتفي بالتعليم السطحي في زمن لا يعترف إلا بالعمق والابتكار.