في مشهد يمني شديد التعقيد، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والإنسان بالمعادلة العسكرية، اختارت السعودية مقاربة مختلفة لإدارة الأزمة، تقوم على تحصين حياة المواطن قبل خوض تسويات السياسة.

وتعكس أرقام الدعم هذا المسار بوضوح، ومنها ودائع تجاوزت 3 مليارات دولار لدعم البنك المركزي خلال عامي 2023 و2024، ومنح نفطية بأكثر من 1.2 مليار دولار لتشغيل الكهرباء، وأكثر من 2.500 مشروع إنساني وتنموي بقيمة 4.3 مليارات دولار، وصولًا إلى حزمة تنموية جديدة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي تشمل 28 مشروعًا حيويًا.

أولوية المواطن اليمني


منذ اندلاع الأزمة اليمنية، وضعت السعودية المواطن اليمني في صدارة تدخلها، انطلاقًا من قناعة مفادها أن انهيار المعيشة يعني انهيار الدولة. وتشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 6.5 ملايين موظف حكومي يعيلون نحو 30 مليون يمني بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل ملف الرواتب حجر الزاوية في الاستقرار الاجتماعي.

هذا الإدراك قاد الرياض إلى التعامل مع الملف اليمني من زاوية معيشية، لا بوصفه ملفًا سياسيًا مجردًا، بل باعتباره أزمة حياة يومية، تتطلب حماية الدخل، واستمرارية الخدمات، ومنع الانزلاق إلى فوضى اقتصادية شاملة.

رواتب الدولة

يُعد دعم صرف الرواتب أحد أبرز ملامح التدخل السعودي وأكثرها تأثيرًا. ففي عامي 2023 و2024، قدّمت المملكة ودائع مالية تجاوزت 3 مليارات دولار لدعم البنك المركزي اليمني، خُصص جزء رئيس منها لصرف رواتب موظفي الدولة وتمويل الواردات الأساسية.

ومكن هذا الدعم الحكومة اليمنية من الإيفاء بالتزاماتها تجاه قطاعات حيوية، أبرزها التعليم والصحة والأمن، وأسهم في استمرار عمل المرافق العامة رغم شح الموارد. كما حدّ انتظام الصرف، ولو بشكل جزئي، من اعتماد ملايين الأسر على المساعدات الطارئة، وقلّص تمدد اقتصاد الظل الذي نشأ بفعل غياب الدخل المنتظم.

الخدمات العامة

لم يقتصر الدعم السعودي على الرواتب، بل امتد إلى القطاعات الخدمية الأساسية. ووفق بيانات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، نفذت المملكة أكثر من 2.500 مشروع إنساني وتنموي في اليمن، بقيمة تجاوزت 4.3 مليارات دولار.

في قطاع الصحة، شمل الدعم تشغيل ودعم أكثر من 300 مرفق صحي، وتوفير ملايين الجرعات الدوائية، وتنفيذ برامج لمكافحة الأوبئة وسوء التغذية. أما قطاع التعليم، فقد شمل إعادة تأهيل مئات المدارس، وطباعة المناهج، ودعم العملية التعليمية لأكثر من مليون طالب، في مسعى لحماية جيل كامل من الانقطاع عن التعليم.

الطاقة والكهرباء

شكّل قطاع الكهرباء أحد أكثر الملفات إلحاحًا، وهو ما انعكس في حجم الدعم السعودي المخصص له. فقد قدمت المملكة منحًا نفطية متتالية لتشغيل محطات الكهرباء في عدن وعدد من المحافظات، بلغت قيمتها أكثر من 1.2 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة.

هذا الدعم أسهم في تقليص ساعات الانقطاع، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، خصوصًا في المستشفيات ومرافق المياه، كما خفف من الأعباء المعيشية على المواطنين، في ظل الارتفاع الكبير في كلفة الطاقة البديلة.

1.9 مليار ريال

في يناير 2026، أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عن حزمة تنموية جديدة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، تضم 28 مشروعًا ومبادرة في مختلف المحافظات، وتشمل قطاعات الكهرباء، الصحة، التعليم، المياه، والطرق.

ومن أبرز المشاريع: إنشاء محطة كهرباء بقدرة 30 ميجا واط في تعز، تشغيل مستشفى المخا، استمرار تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن لثلاث سنوات، إنشاء أول محطة تحلية مياه من نوعها في اليمن، وبناء وتجهيز 30 مدرسة سنويًا في عدد من المحافظات. هذه المشاريع تمثل انتقالًا من الدعم الإسعافي إلى التنمية المستدامة.

استقرار العملة

اقتصاديًا، لعبت الودائع السعودية دورًا محوريًا في الحد من تدهور العملة المحلية. ففي فترات سابقة، تجاوز سعر صرف الدولار 1.800 ريال يمني، قبل أن تسهم التدخلات المالية في خفضه إلى مستويات أكثر استقرارًا، مع تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

كما مكّن هذا الدعم البنك المركزي من تمويل واردات الغذاء والوقود، وضمان توفر السلع الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات التضخم التي كانت مرشحة للارتفاع بشكل حاد لولا هذا التدخل.

المسار السياسي

سياسيًا، حرصت السعودية على الفصل بين الدعم المعيشي والمسارات التفاوضية، في رسالة واضحة بأن المواطن اليمني ليس أداة ضغط ولا ورقة مساومة. هذا النهج عزز من مصداقية الدور السعودي، وقلّص من توظيف المعاناة الإنسانية في الصراع السياسي.

وتواصل الرياض دعم جهود التهدئة، ورعاية المسارات السياسية، انطلاقًا من قناعة بأن أي حل سياسي لا يستند إلى استقرار اقتصادي سيكون هشًا وقابلًا للانهيار.

الملف الإنساني

بحسب تقديرات أممية، لا يزال أكثر من 17 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية. وتبرز السعودية كأكبر داعم إنساني لليمن، عبر مساعدات غذائية وإغاثية أسهمت في تخفيف حدة الأزمة، مع تركيز متزايد على الانتقال من الإغاثة إلى التعافي المبكر.

ورغم حجم الدعم، تبقى التحديات قائمة، في ظل الانقسام المؤسسي، وتراجع الإيرادات السيادية، وتأخر تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية. إلا أن المقاربة السعودية، القائمة على دعم الداخل أولًا، ومنح المؤسسات فرصة للتماسك، تبدو الأكثر واقعية في بيئة سياسية شديدة التعقيد.

كما أن التجربة اليمنية تؤكد أن السعودية لا تدير الأزمة من زاوية سياسية ضيقة، بل من منظور شامل يضع الإنسان في قلب المعادلة. وفي بلد أنهكته الحرب، تبدو هذه المقاربة هي الطريق الأقرب لاستعادة الاستقرار وتهيئة الأرضية لحل سياسي مستدام.