تسلل الداء
يؤكد استشاري الباطنة والأمراض المعدية لدى كبار السن الدكتور علي بن ظافر آل سويدان أن «هذه المتلازمة ليست تشخيصًا بحد ذاتها، بل حالة علاجية تنشأ غالبًا عندما يتجاوز عدد الأدوية 5 أدوية، وقد تكون مبررة أحيانًا بسبب تنوع الأمراض المزمنة لدى المريض،غير أن الخطر يبدأ عندما يعتقد المريض أن كثرة الأدوية تعني علاجًا أفضل، غير مدرك أحيانًا، أن تقليل دواء واحد بحكمة ومتابعة قد يكون العلاج الأنجع لاستعادة الأمان، والوعي، كما يستخدم بعض المرضى أدوية بلا ضرورة واضحة، أو تتكرر الفعالية نفسها، أو يتم منحه وصفة جرعات لا تناسب العمر ووظائف الكلى والكبد، أو حين يضيف الطبيب المختص دواء لعلاج أعراض سببها دواء آخر فنصل لما يسمى سلسلة الوصفات».
الأكثر عرضة
يرجع آل سويدان معاناة كبار السن مع متلازمة تعدد الأدوية لكونهم الأكثر عرضة، فمع التقدم في العمر، تتغير طريقة تعامل الجسم مع الدواء، وتقل المياه في الجسم وتزداد الدهون، وتضعف وظائف الكلى والكبد، ويصبح الجهاز العصبي أكثر حساسية، فضلا عن تعدد الأطباء والصيدليات، وضعف الذاكرة أو النظر، مما يزيد من احتمالات الخطأ والتداخلات الدوائية.
وبين أن «متلازمة تعدد الأدوية تشكل عددا من المخاطر، منها السقوط والكسور نتيجة الدوخة وهبوط الضغط، خاصة مع المنومات والمهدئات وبعض أدوية الضغط. كما قد يظهر التشوّش الذهني والهذيان بصورة مفاجئة تُشبه الخرف، بينما يكون السبب تأثيرات دوائية على الدماغ».
وأضاف «لا تقل خطورة النزيف الهضمي عند الجمع بين مميعات الدم ومضادات الالتهاب، أو الفشل الكلوي واضطراب الأملاح عند اجتماع بعض أدوية الضغط مع المدرات والمسكنات الشائعة. كذلك قد يحدث هبوط شديد في السكر أو الضغط يؤدي إلى إغماء أو دخول متكرر للمستشفى».
مبادرة الصحة
من جانبها، أكدت أخصائي أول طب الأسرة بمستشفى تخصصي نجران، الدكتورة دينا حسين عبدالسلام أن وزارة الصحة تسعى من خلال برامجها ومبادراتها إلى تقديم رعاية صحية متكاملة للمسنين، كمبادرة مستشفى صديقة لكبار السن (مستشفى تخصصي نجران واحدة من تلك المستشفيات) التي تركز على أهم المشاكل المتعلقة بتقدم العمر، ومن أهمها متلازمة تعدد الأدوية، مبينة أن هذه المتلازمة قد تحدث نتيجة لأسباب تنظيمية، مثل تعدد الأطباء المعالجين دون وجود طبيب منسق للرعاية، مع ضعف التواصل بين مقدمي الرعاية الصحية، إضافة إلى غياب المراجعة الدورية لقائمة الأدوية، أو إعادة وصف أدوية دون إيقاف القديمة منها.
عوامل مخفية
تعيد مصادر رسمية وجود متلازمة تعدد الأدوية إلى عدم وجود الملف الموحد للمريض، فتجده يعالج في المستشفيات المدنية العامة والمدنية التخصصية، ولأن له قريبا من منسوبي أحد القطاعات العسكرية فتجده يعالج في مستشفياتها وتصرف له أدوية لنفس المادة العلمية ولكن بمسميات تجارية مختلفة، ناهيك عن العيادات والمستشفيات الخاصة التي قد يراجعها كبير السن لوجود تأمين طبي لابنه الذي يعمل في الشركات الكبرى.
تجارب مؤلمة
يروي علي مسفر القحطاني، تجربته الشخصية مع والده الذي عانى كثيرا من متلازمة تعدد الأدوية، ويقول «زار عدد من الأطبار الأقارب الوالد زيارة شخصية، ولاحظوا أنه يعاني من خمول وإعياء وساعات نوم طويلة، وبعد شرح حالته اكتشفوا أن الأمر يعود للاستخدام المتزامن للأدوية التي تصرف له من أطباء في تخصصات مختلفة، باطنة وأعصاب وعظام، وبعد فرز جميع تلك الأدوية من قبل الأطباء الزائرين تم التخلص من 80% منها وتحسنت حالته بعدها».
يعود الاستشاري الدكتور آل سويدان ليروي قصة واقعية من عيادته، ويقول «أصيبت سيدة في أواخر السبعينات من عمرها بحالة «خرف مفاجئ»، وظهرت عليها أعراض نسيان وارتباك حاد. وبعد أن راجعنا أدويتها، اتضح أن دواء تتعاطاه للمثانة مع مضاد حساسية قديم تسببا بالأعراض، وبعد إيقافهما تحسنت حالتها خلال أيام».
وأضاف «في حالة أخرى، تناول مريض ضغط وسكري مضاد التهاب لآلام الركبة دون استشارة، فدخل الطوارئ بارتفاع في الكرياتينين والبوتاسيوم، وبعد إيقاف الدواء عاد للتوازن».
أما هادي محمد اليامي، فيشير إلى أن والده المسن استخدم منومًا مع مرخي عضلات ومسكن قوي، وانتهى به الأمر بسقوط وكسر، ومع تقليل المهدئات وتغيير خطة علاج الألم تجاوز الخطر.
قواعد ذهبية
يؤكد استشاري الجهاز الهضمي والمناظير والكبد، الدكتور مجاهد الوعلاني، أنه «يمكن الحد من مخاطر متلازمة تعدد الأدوية من خلال توصية الأطباء بمراجعة دورية للأدوية كل بضعة أشهر، أو بعد أي دخول للمريض للمستشفى، أو المتابعة مع طبيب الأسرة، وطرح سؤال بسيط قبل إضافة أي دواء: هل ما زال ضروريًا؟ واتباع القاعدة الطبية الذهبية «ابدأ بجرعة قليلة وزِد ببطء».
كما نصح بتوحيد الطبيب والصيدلية قدر الإمكان، والاحتفاظ بقائمة واضحة للأدوية وسبب استخدامها، والحذر من الأدوية عالية الخطورة لدى كبار السن، خصوصًا المنومات، ومضادات الالتهاب، والأدوية المؤثرة على الوعي.
آثار اجتماعية ونفسية لمتلازمة تعدد الأدوية
- تسلب المصاب استقلاليته
- تفرض عليه الاعتماد على الآخرين
- تتحول الأدوية إلى عبء مالي وتنظيمي
- تزرع الشك في جدوى العلاج
- تزيد من التوتر داخل الأسرة.