شهد قطاع صيانة السيارات خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا بفعل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تعد تقتصر على الترفيه أو التواصل الاجتماعي فقط، بل باتت أدوات فاعلة في التعليم ونقل الخبرات المهنية. فقد انتقل عدد متزايد من الميكانيكيين من الورش التقليدية إلى المنصات الرقمية مثل «يوتيوب» و«تيك توك»، ليعرضوا مهاراتهم وخبراتهم أمام جمهور واسع، وليتحول بعضهم إلى مؤثرين يعتمد عليهم كمصادر رئيسة للتعلم الذاتي في مجال صيانة السيارات.

تغير الصورة

هذا التحول أسهم في تغيير الصورة النمطية لمهنة الميكانيكا، حيث لم يعد الميكانيكي مجرد فني يعمل خلف الأبواب المغلقة، بل أصبح صانع محتوى يشرح الأعطال ويقدم الحلول بأسلوب مبسط ومباشر.


ووفرت المنصات الرقمية بيئة مناسبة لنقل المعرفة العملية، من خلال مقاطع فيديو توثّق خطوات الإصلاح وتشخيص الأعطال الشائعة، ما ساعد الطلاب والمتدربين وأصحاب المركبات على اكتساب فهم أعمق لآلية عمل السيارات، وسهم في رفع مستوى الوعي الفني لدى المجتمع بشكل عام.

كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا مهمًا للتعلم الذاتي، حيث يمكن لأي مهتم الوصول إلى محتوى متنوع دون التقيد بزمان أو مكان. وأسهم هذا الأمر في تقليص الفجوة بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، إضافة إلى تشجيع ثقافة التطوير المستمر لدى الميكانيكيين أنفسهم، الذين باتوا يتبادلون الخبرات ويتعرفون على أحدث التقنيات والابتكارات من خلال متابعة زملائهم حول العالم.

ترويج للخدمات

من الجانب الاقتصادي، مكّنت هذه المنصات الميكانيكيين من الترويج لخدماتهم بطريقة أكثر فاعلية وأقل تكلفة مقارنة بالوسائل التقليدية، كما أتاحت لهم بناء سمعة مهنية قائمة على المصداقية والجودة. وقد انعكس ذلك إيجابًا على علاقتهم بالعملاء، حيث أصبح التواصل أكثر مباشرة ووضوحًا، مما أسهم في تعزيز الثقة المتبادلة. يقول المهندس من التدريب التقني في نجران محمد بن غنام آل شريف «إن مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت وتقنيات الاتصال ونقل المعلومات أصبحت رافدًا أساسيًا في شتى العلوم والمعارف، وأسهمت في خلق مساحات فاعلة لتعزيز نمو المجتمعات». وأوضح أن «توجه الفنيين من الورش إلى منصات التواصل الاجتماعي يعود إلى ما توفره هذه المنصات من أدوات تسويقية وترويجية فعالة لعرض الخدمات والدعاية للمؤسسات، والوصول إلى جمهور أوسع، والتفاعل المباشر مع العملاء، إضافة إلى إتاحة فرص التواصل والتعاون مع فنيين آخرين حول العالم». وأضاف أن «وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في الوصول إلى جمهور عالمي، من خلال عرض الأفكار والطرق المتميزة في التخصصات المختلفة، وهو ما لم يكن ممكنًا بسهولة عبر المعارض التقليدية. كما أكد أن هذا التغيير في أدوات العمل يُعد أسلوبًا مشروعًا»، مشيرًا إلى أن جوهر العمل الفني لم يتغير، وإنما تطورت الوسائل الناقلة له لتصبح أكثر فاعلية، حيث تكمل وسائل التواصل الاجتماعي وسائل الإعلام التقليدية ولا تلغيها.

التعلم الذاتي

من واقع التجربة العملية، يؤكد الميكانيكي عبدالله حسين أن وسائل التواصل الاجتماعي شكّلت نقطة تحول في مسيرته المهنية، حيث أتاحت له نقل خبرته المتراكمة إلى شريحة واسعة من المتابعين. ويشير حسين إلى أن المحتوى الرقمي ساعد كثيرا من الشباب على التعلم الذاتي، خاصة أولئك الذين لا تتاح لهم فرصة الالتحاق بدورات تدريبية متخصصة، كما أسهم في تحسين صورة المهنة وإبراز جانبها العلمي والتقني. ومن زاوية أخرى، يرى الميكانيكي علي سالم أن «التأثير الأبرز لوسائل التواصل الاجتماعي يتمثل في تعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الميكانيكي والعميل». وأوضح أن «نشر خطوات العمل وشرح الأعطال أمام الجمهور يفرض مستوى أعلى من الدقة والالتزام داخل الورشة، كما يساعد في تنظيم العمل وتقليل الخلافات». ويؤكد أن هذه المنصات خلقت منافسة إيجابية بين الفنيين، دفعتهم إلى تطوير مهاراتهم وتحسين جودة خدماتهم.