إن الحكام الذين توالوا على حكم هذه البلاد منذ عهد الموحد الملك عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، وصولا للملك سلمان آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، تميزوا بصفات أسهمت فيما وصلنا له الآن. فقد كان لهم طريق ونهج واحد يسيرون عليه، متبعين الشريعة الإسلامية، ومبدأ التسامح والاحترام والرحمة للجميع، والأخوة بين الأمم العربية والإسلامية، والصداقة مع بقية العوالم.
وإن هذه المكانة التي وصلت لها الرياض كانت بناء على توجهات ومواقف متنوعة، سياسية كانت أو اجتماعية واقتصادية، وحتى عسكرية. وللذكر، وليس للحصر، ولو رجعنا في التاريخ لعقود، فقد كانت مواقف السعودية تجاه القضايا الإقليمية مواقف مشرفة، فمثلا تعد قضية فلسطين قضية مركزية وثابتة في السياسة السعودية منذ أعلن الملك عبد العزيز رفضه وعد بلفور وقيام كيان صهيوني. وقد شاركت المملكة في حروب 1948 وحرب 1967.
وأيضا لعبت الرياض دورا محوريا في دعم استقلال دول الخليج واستقرارها، فمثلا دعمت الكويت عام 1961، واستقلال البحرين وقطر والإمارات من بريطانيا عام 1971. وقد اعترفت بها فور إعلان استقلالها، وحتى قضاياها كانت هي الحليف الأول لها، ولا ننسى ما فعلت في حرب تحرير الكويت، وقضية جزر الإمارات، وغيرها الكثير.
ومن التوجهات السعودية تقديم المساعدات المالية للدول المحتاجة أو المتضررة، التي بلغت على مدى سنوات طويلة ما يعادل 140 مليار دولار أمريكي. وبسبب هذا النهج وحس المسؤولية تجاه دول العالم، أصبحت للسعودية مكانة وقيمة وثقل عالمي إما للمشورة أو المساندة.
ومن ناحية اقتصادية، لعبت الرياض دورا محوريا في تنويع قنوات الدعم الاقتصادي لأكثر من 90 دولة بتمويل مشاريع وإسهام في البنية التحتية، من مطارات وطرق وكهرباء ومياه، أو دعم مباشر عن طريق الودائع في البنوك، ودعم الميزانيات، وحتى قد يصل الأمر لدفع رواتب دول شقيقة عند مرورها بأزمات تعصف بها، وهذا الدعم شمل العديد من الدول العربية والإسلامية.
لقد كانت السياسة المتبعة في الرياض معتدلة، تقوم على ركائز واضحة، هي احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، ودعم الشرعية، ورفض الاحتلال والانقلابات، والعمل عبر الأطر الدولية (المنظمات).
وما يحصل في الآونة الأخيرة من تقلبات في المنطقة، وطريقة التعامل معها من قِبل قادتنا بالحلم والصبر، وعدم التعجل والانقياد مع التيار، بل الوقوف وأخذ الأمور بتروٍ وحكمة، وعدم التصعيد السياسي أو الإعلامي، وتأجيج الأوضاع، والحفاظ على استقرار المنطقة، لهو أكبر دليل على النضج الذي وصلت له الرياض، وهو ما ذكرته في بداية كلامي.. ما وصلت له عاصمتنا لم يكن عبثا.