إذا كان السلام دينًا فلماذا يعجز الإنسان عن اجتياز امتحانه؟
إنّ المتأمل في جوهر التعاليم الدينية يجد أنها التقت جميعًا عند مبادئ إنسانية واحدة لم تختلف باختلاف الأزمنة أو الأمكنة. فقد دعت إلى حفظ النفس وصيانة الحقوق وإعلاء قيمة الإنسان بوصفه إنسانًا قبل أي تصنيف آخر. غير أنّ الإشكالية لم تكن يومًا في هذه التعاليم بل في طريقة فهم الإنسان لها وفي المسافة التي تفصل بين الإيمان بالقيم وممارستها في الواقع.
لقد وقع كثير من البشر في فخّ الفصل بين النص وروحه فتمسّكوا بالمظاهر وأهملوا الجوهر ورفعوا الشعارات دون أن يترجموها إلى سلوك. وهنا نرى ظهور التناقض المؤلم بين ما يُعلَن من مبادئ سامية وما يُمارَس من إقصاء أو تعصب أو عنف. فالسلام كما أرادته الأديان ليس كلمات تُتلى ولا خطبًا تُلقى بل سلوك يومي ينعكس في احترام الآخر والعدل في الحكم والإنصاف في الخلاف.
كما أسهم توظيف الدين لخدمة المصالح الضيقة في تعميق هذا التناقض. فكم من صراعٍ اشتعل باسم الدين بينما كان في حقيقته صراعًا على سلطة أو نفوذ أو مصالح مادية. وكم من خطابٍ ديني استُخدم لتبرير الإقصاء بدل أن يكون جسرًا للحوار والتقارب. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الدين هو المشكلة بل الإنسان الذي حمّله ما لا يحتمل وأفرغه من رسالته الأخلاقية.
ولا يمكن إغفال دور الخوف من الاختلاف في إضعاف ثقافة السلام. فالإنسان حين يجهل الآخر يميل إلى رفضه وحين يرفضه يسهل عليه تبرير العداء تجاهه. ومع أنّ التنوع الديني والثقافي سُنّة إنسانية ومصدر غنى حضاري إلا أنّ بعض المجتمعات تعاملت معه بوصفه تهديدًا لا فرصة فاختارت الانغلاق بدل الحوار والصراع بدل التفاهم.
إنّ السلام في جوهره امتحان مستمر لضمير الإنسان لا ينجح فيه من يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة بل من يعترف بحق الآخر في الوجود والاختلاف. وهو امتحان أخلاقي قبل أن يكون دينيًا وإنساني قبل أن يكون سياسيًا. فالأديان قدّمت القيم ورسمت الطريق لكنّ الإنسان هو من يختار أن يسير فيه أو أن ينحرف عنه.
وفي زمن تتسارع فيه الأزمات وتتزايد فيه الانقسامات تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة روح السلام كما أرادتها الرسالات لا كما شوّهتها الممارسات. سلامٌ يقوم على الوعي والتربية والحوار واحترام الكرامة الإنسانية بعيدًا عن الاستغلال والتوظيف والتعصب.
واختم أخيرًا .. يبقى السلام دينًا جامعًا لا تحدّه حدود الجغرافيا ولا تقيده اختلافات العقائد ويبقى الإنسان هو الامتحان الحقيقي لهذه الرسالة. فإمّا أن يكون شاهدًا على صدق القيم التي يؤمن بها أو دليلًا على فشله في فهمها وحين ينجح الإنسان في هذا الامتحان فقط يمكن للسلام أن يتحوّل من فكرة مثالية إلى واقعٍ يُعاش ومن أمنية مؤجَّلة إلى حقيقة مستقرة في حياة الشعوب والأمم .