في كل مرة يظهر فيها تصريح صادم أو رأي مستفز، لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا قيل؟ بل لماذا نُشر أصلًا؟ كما لاحظت، لم يعد الإعلام ينتظر اكتمال الفكرة، ولا يتحقق من أثر الكلمة، بل يضغط زر النشر أولًا، ثم يبحث عن التبرير لاحقًا. هكذا تحوّل السبق من قيمة مهنية إلى سباق ضجيج، وتحوّل النقاش من مساحة وعي إلى ساحة استعراض.

المشكلة لم تعد في اختلاف الآراء، بل في انهيار الحد الفاصل بين الرأي والتطاول، وبين النقد والإساءة. كل ما يثير الجدل أصبح صالحًا للنشر، وكل ما يلفت الانتباه يُمرَّر، حتى وإن كان خاليًا من المعنى أو مثقلًا بالتحريض.

تغيّرت المعادلة؛ لم يعد السؤال: هل ما يُقال صحيح؟ بل هل سيُحدث ضجة؟، وهنا بدأ الخلل يتضخم!!


للأسف.. تحولت بعض المنصات من أدوات وعي إلى منصات إثارة، ومن منابر مسؤولة إلى منصات تبحث عن الصوت الأعلى، صار الانفعال هو الهدف، بدلًا عن التحليل، والعبارة الجارحة أسرع طريق للانتشار، حتى أصبحت المهنية الحقيقية عبئًا لا ميزة.

الإعلام الذي لا يزن كلمته؛ لا يصنع رأيًا عامًا، بل يثير الجدل بمستوى منحط، فالكلمة، مهما بدت عابرة، قادرة على خلق تصورات، وهدم ثقة، وصناعة انقسام لا يُرى أثره إلا متأخرًا.

كانت هناك قاعدة بسيطة تحكم غرف التحرير والمنصات الإعلامية والإخبارية «ليس كل ما يعلم يُقال». قاعدة تحمي المهنة قبل أن تحمي المجتمع. لكنها اليوم تُنسى أمام هوس المشاهدات وضغط الترند، وفي رواية أخرى «العنتريات»!

أخيرًا.. الإعلام الذي يفرّط في مسؤوليته لا يسيء لغيره، بل يوقّع على سقوطه بيده، ويكون هو المسؤول الأول عن تدني مستوى قرائه.