نستطيع أن نقول جازمين: إن تاريخنا العربي الإسلامي، قد تم تدوينه بواسطة معاصري كل حقبة منه أو ما تلتها، ولكنه لم يحقق التحقيق العلمي الأكاديمي بعد. وقد كشفت لنا الدراما التاريخية العربية هذه الإشكالية؛ فكلما تم تصوير أو تسريب خبر عن بداية تصوير مسلسل تاريخي، سيتناول حقبة تاريخية معينة أو شخصية تاريخية محددة من صدر تاريخنا العربي الإسلامي، تتفجر نقاشات وحوارات حوله. تصل فيه النقاشات لدرجة التشكيك والتسفيه بنوايا القائمين عليه، وتبدأ الشركة المنتجة بحملات علاقات عامة من التطمين المتواصل للناس بأن المسلسل سيظهر الحقبة أو الشخصية كما يرضى عنها الناس، أي بمعنى آخر، ليس كما حدث في التاريخ، ولكن كما يطلبها المشاهدون، والدليل على ذلك أن النص قد تمت مراجعته من مرجعيات مختلفة، كل منها يرضي فئة من الناس. ثم يخرج العمل ولا يرضى عنه أحد؛ فمن أراد إرضاء كل الناس أغضب كل الناس.

الغضب الجماهيري إذاً قادم، لا محالة، عند عرض أي مسلسل أو فيلم درامي تاريخي عربي إسلامي. السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه علينا بإلحاح هو: أين تكمن المشكلة، هل هي في فهمنا للتاريخ أم في فهمنا للدراما؟ الجواب هو أن المشكلة تكمن في كلتا الحالتين، فهمنا للتاريخ وفهمنا للدراما؛ ولذلك تحولت المشكلة لدينا إلى مشكلة مضاعفة، عندما نشاهد عملا دراميا تاريخي. ولكن مشكلة فهمنا للدراما، هي مشكلة مقدور على تصحيحها وتجاوزها مع الوقت والمزيد من التطور والنضج في الإنتاج الدرامي، والتي ستكون كفيلة بتصحيح فهمنا للدراما، أي أن نستمتع بمشاهدة الدراما، كمنتج أدبي فني إبداعي، ولا نحمله أكثر من كونه أكثر من ذلك. وذلك بفهمنا للدراما، حسب شروط الدرامي، لا حسب شروط الفقيه أو الداعية أو غيرهما.

أما مشكلة فهمنا لتاريخنا العربي الإسلامي فستظل قائمة إلا أن تتم كتابة وتحقيق تاريخنا وعرضه كما حدث، لا كما نحب أو نود أن يكون قد حدث؛ وهذه الإشكالية ستلازمنا في المستقبل القريب والمتوسط. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا، هو أين تكمن مشكلة فهمنا لتاريخنا العربي الإسلامي؟ أرى أن المشكلة تكمن في تدخل الأيديولوجيا، في كتابة تاريخنا، ولم تترك كتابته للمؤرخ المحترف فقط؛ مما أدى إلى نفور المؤرخ من كتابة تاريخنا بالطريقة الاحترافية المطلوبة منه وخوفه ومراعاته للمتطفلين على كتابة التاريخ وتسليط سيوفهم المسلولة على عنقه.

دائماً إشكالية أي موضوع تبدأ من الخلل الذي يصيب مفهومه ويخرجه من نطاق فاعليته التخصصية، ليتحول إلى تشوه أو مسخ لما يجب أن يكون عليه. ومفهوم التاريخ في فهمنا العربي هو مفهوم قاصر؛ حيث تم الاكتفاء بتعريفه المادي أو الحسي كمفهوم وسحبه على روحه كتخصص، ولم يتخطه، لمعنى مفهومه التجريدي الما وراء حسي. التاريخ هو اسم للتخصص، الذي يتناول كل ما حدث في الماضي، من أحداث ومواقف وشخصيات، أثرت في تغيرات وتشكلات الماضي. وبما أن اسم التخصص هو تاريخ، والذي يدل في اللغة العربية على التحقيب؛ كأن نقول في أي تاريخ حدث كذا وكذا؟ أو ما هو تاريخ اليوم؟ نكون قد حكمنا على التخصص، بأنه تخصص يهتم بتدوين ما حدث في الماضي، كما أتت متسلسلة فيه، دون إمعان أو تمحيص أو تدقيق أو حتى محاولة الربط المنطقي بينها، ناهيك عن التساؤل والعصف الذهني، لماذا حدث كذا ولم يحدث كذا؟

ومن أجل محاولة التقريب لفهم، الفرق بين مفهوم التخصص المادي أو الحسي، الدال عليه شكلاً ومفهومه التجريدي، الدال عليه مضموناً، أورد مفهوم التاريخ في الثقافة الغربية. التاريخ عند الغرب هو (History) والكلمة ذات أصل لاتيني تعني باللغة الإنجليزية (Inquiry)، ومعناها باللغة العربية، تساؤل؛ وتعني كمفهوم تجريدي، عملية إعمال العقل لتقصي وفرز الحقائق. إذاً هنا فتخصص التاريخ في الثقافة الغربية، ليس له دخل في عملية تحقيب الحوادث التاريخية وتدوينها؛ وإنما إعمال العقل لتقصي حقيقة حدث أو موقف حدث في الماضي، مع التأكيد على أهمية جمع وتدوين وتحقيب أحداث التاريخ، حيث هي تشكل المادة الخام، التي تعتمد عليها كتابة التاريخ، بعد التمحيص والتدقيق فيها والتأكد من مراجعها ومصادرها. وبما أن مفهوم التاريخ لدينا هو مفهوم مادي حسي وليس تجريديا عقليا؛ فقد اكتفينا بمادة التاريخ الخام، التي هي التدوين والتحقيب، وتوقفنا عندها، واعتبرناها التاريخ نفسه، حيث التخصص اسمه تاريخ.

مع ملاحظة، أن المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون، أعمل عقله في كتابة التاريخ، إلا أن محاولته العبقرية، لم تتحول لمدرسة في كتابة التاريخ العربي الإسلامي، حيث كانت تغرد خارج سياق الثقافة العربية الإسلامية في رؤيتها للتاريخ؛ ولكن محاولته هذه وجدت قبولاً وترحيباً كبيراً، لدى الثقافة الغربية، التي تبنتها، كونها تتواءم مع بنيتها العقلية. ومما زاد الطينة بلة، كما يقال، أننا سحبنا القداسة الدينية من كتبنا الدينية، القرآن والسنة والتفاسير والفقة، على التاريخ نفسه، فأصبحت كتب التاريخ لدينا كتبا مقدسة، لا يجوز الزيادة أو النقصان فيها أو نقد مادتها التي دونت فيه لأول مرة، مع كون كتب التاريخ القديمة لدينا، تحمل روايات متعددة ومتناقضة، في نفس الوقت.

فمثلاً، نحن نعتبر حقبة تاريخ الخلفاء الراشدين، هي أزهى حقب التاريخ لدينا، بعد حقبة تاريخ النبوة؛ مع كون ثلاثة من الأربعة الخلفاء الراشدين، ماتوا اغتيالاً وانتهت الحقبة بحرب أهلية طاحنة، مع كونها لا تتعدى أربعة عقود، وبعض البرلمانات العربية بدأت تسن قوانين، تجرم الكتابة التاريخية النقدية لتلك الفترة، باعتبار أن من عاشوا بها هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم فوق النقد. وعليه أصبحت كتابتنا لتاريخنا العربي الإسلامي، هي كتابة رغبوية، انتقائية، ننتقي ما يعجبنا من الروايات المدونة ونترك ما عداها، ولو كانت الروايات التي لا تعجبنا تحمل أكثر مصداقية في نصها ومضمونها ومصدرها وتطابقها مع الواقع آنذاك، أي أن المادة الخام لكتابة التاريخ لدينا موجودة ومتوفرة، ولكن رغبتنا الانتقائية في ما نتمناه بأنه حدث في التاريخ، لا تسمح لنا، بإعمال العقل في تمحيص وتدقيق الروايات التاريخية وقراءة ما حدث فعلاً في التاريخ، لا ما نتمنى أنه حدث.

وهنالك إشكالية أعوص تعترض فهمنا وقراءتنا لتاريخنا، وتجمد مفهومنا لتخصص التاريخ عند مفهومه الحسي المادي، والمتمثلة بإسقاط حاضرنا على ماضينا، من أجل توسل الشرعية الدينية، لمشاريعنا الحالية. ولذلك فلا أعتقد بأننا نشعر الآن بأزمة في فهمنا للتاريخ، أو حتى بحاجتنا لفهمنا لتاريخنا، كما حدث، والدليل على ذلك، أننا أخذنا نغلق أقسام التاريخ في جامعتنا، لشعورنا بأن التخصص في التاريخ نوع من مضيعة الوقت، بلا مقابل مادي محسوس. مع كون تخصص التاريخ، يعد بجامعات الولايات المتحدة التخصص رقم عشرة من بين كل التخصصات، في الإقبال عليه. وتوجد أقسام تاريخ، في كل الجامعات والكليات، بما فيها العلمية والتقنية البحتة.

ولذلك فلن تصلح الدراما في تاريخنا العربي الإسلامي، ما عجزت عن إصلاحه الجامعات والأكاديميات والجمعيات التاريخية.