كنا في المقالات الثلاث السابقة قد عرضنا مفهوم السببية عند ديفيد هيوم ومحاولته اتخاذ منهج مختلف عن الغزالي وعن الفلاسفة الميتافيزيقيين، وكيف أنه لم ينجز ما حاوله وسعى إليه، لا منهجيًا ولا نتيجة.
وحاولنا في الثانية أن نسلط الضوء على مقاربة منهجية سابقة على الغزالي وأصل لمنهجه ورؤيته، وهي مقاربة المتكلمين الإسلاميين للسببية في بعض جوانبها، ولكنها لم تأخذ حقها من التنبه والبحث.
وأما المقالة الثالثة فكانت في التقاطع الأبستمولوجي بين هيوم وقول المتكلمين والفلاسفة العرب في مفهوم السببية. وهذه المقالة الرابعة والأخيرة:
يعد كتاب هيوم (مبحث في الفاهمة البشرية) أشهر كتبه وأنجعها تأثيرًا. وقد ترجمه الراحل الدكتور موسى وهبة، بأسلوب بارع ولغة جمعت بين الضبط العلمي والسهولة المأنوسة والبيان الواضح، فكانت نسخته العربية من أفضل ترجماته فيما أحسب. وهو من أهم كتب الفلسفة الأبستمولوجية الحديثة، ولا سيما في مشكل السببية وتصوراته الفكرية والمنطقية واللغوية. أَلا إن النظر الموضوعي المنصف والتحري المنهجي الدقيق يقتضيان رده إلى التراث العربي الفكري، بشقيه الفلسفي والكلامي، والأخير على وجه الخصوص، وما أثاره من ردود عند الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) المزدوج الرد: على المتكلمين ضمنيًا، وعلى الفلاسفة علانية، وكذلك، كتاب (تهافت التهافت) لابن رشد ورده على الغزالي والمتكلمين من ورائه. فالنظر والتحري لا يتركان مجالًا للشك في عظم الإفادة التي حصّلها هيوم من التراث العربي. وهي الإفادة ذاتها التي ظهرت في نتاج كانط، وخاصة في نقد العقل المحض؛ وهذا ما يظهر من قول ابن رشد أن الفلاسفة والمتكلمين المسلمين -وهو حين يقول: (المسلمون) فإنه يريدهم من دون التراث اليوناني الذي خَبَر معظم فلسفته- قد تنبهوا إلى الاستعداد الفطري القبْلي للعقل وأن معاييره ثوابت مطبوعة فيه ومن خواصه وليست من مكتسباته؛ فيقول: «وقد ذهب بعض الإسلاميين إلى أن الله تعالى يوصف بالقدرة على اجتماع المتقابلين. وشُبْهتهم أن قضاء العقل بامتناع ذلك إنما هو شيء طُبع عليه العقل. فلو طُبع طبعًا يقتضي بإمكان ذلك، لما أنكر ذلك ولجوزه» [تهافت التهافت، ص521].
لكن اللافت من التحري أن كتابه لا يعدو منهجُه ومنطقُ حجاجه وأسلوبُ جداله وترتيبُ ألفاظه وتسلسلُ مسائله، كل ذلك لا يعدو كونه مبحثًا في علم الكلام، وما إنكار نسبه الكلامي إلا نتيجة لنتائجه النظرية التي تنكر اليقين الغيبي الذي ينتهي إليه البحث الكلامي نظريًا، هذا أولًا وأما ثانيًا، فما هذا الإنكار إلا وجه من وجوه التعالي الفلسفي على التراث الكلامي المدون ورؤاه الجدالية. وأخيرًا: فهذا التجاهل يدل على الوهن الراهن لحركة الفكر العربي، فيباح السطو عليه كما كان يسطو الفرزدق وغيره من الفحول على نصوص مَن يرَونهم دونهم، فيستبيحون ادعاءها وزعمهم أحقيتهم بنصوص فوق مستوى المسطو عليهم، فلا يجد التاريخ لأصحابها صوتًا مستنكرًا مطالبًا؛ حتى صارت عادة توهّمها أصحابها أسبابًا منطقية.
وتذكر سوسنة ديفلد محققة كتاب ابن المرتضى أن تأثير الفكر الاعتزالي تجاوز الفكر الإسلامي، ليصل إلى التأثير في الفكر الديني المسيحي وفي الفلسفة الدينية اليهودية خاصة، التي اعتمدت عليه اعتمادًا مباشرًا [طبقات المعتزلة لابن المرتضى، المقدمة(ط)].
ولا بد هنا من التنبيه أن كثيرًا من المبادئ السببية التي كانت مجهولة في أمثلة هيوم، صارت اليوم معروفة بفضل التقدم العلمي المهول الذي وصل إليه الإنسان.
إلى هنا تنتهي سلسلة هذه المقالة التي وزعت على أربع مقالات أبعاض.