التساؤل ليس غاية في ذاته، بل مرحلة ضرورية تسبق النضج، فالإنسان لا ينتقل من المعرفة السطحية إلى الفهم العميق إلا حين يتوقف ليتساءل: عمّا يرى، ويشعر، ويظنه بديهيًا؛ ولهذا لم يكن السؤال في جوهره اعتراضًا، بل بحثًا عن المعنى، ويقدّم القرآن نموذجًا بليغًا لهذه القيمة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾، فالتساؤل هنا لم يكن غاية مستقلة، بل وسيلة إيقاظ بعد غياب، وبداية وعي أعادت ترتيب الفهم، وقادت إلى إدراك محدودية الإنسان أمام الزمن والحقيقة.
في هذا السياق، لا يفرض القرآن الإجابة مباشرة، بل يفسح المجال للحوار والمراجعة؛ لأن الوعي الحقيقي لا يولد من التلقين، بل من التفكير، فالسؤال الصادق لا يهدم الإيمان، بل ينقله من التقليد إلى البصيرة.
لكن التساؤل، كما يقدّمه القرآن، ليس فوضى فكرية، ولا جدلًا عبثيًا، بل فعل مسؤول تحكمه النية والغاية، فهو طريق للمعرفة حين يكون بحثًا عن الحق، وقد يكون باب ضياع حين يتحول إلى تحدٍّ أو استهزاء.
وفي عالم تتكاثر فيه الإجابات الجاهزة، وتندر فيه الأسئلة العميقة، تصبح قيمة التساؤل أكثر إلحاحًا؛ لأنه وحده القادر على تحرير العقل من الجمود، وفتح الطريق نحو فهم أعمق للذات والحياة والمعنى.