لم أكن أضع عُمان في مقدمة خرائط الدهشة، ولم أكن أعلم أن الرحلة إليها ستعيد تعريف معنى السفر في داخلي. لكن منذ اللحظة الأولى، أدركت أن هذه البلاد لا تُزار فقط، بل تُعاش.

من مسقط، المدينة التي تمشي بهدوء بين البحر والجبل، حيث لا صخب يطغى ولا حداثة تستفز الروح، بل توازن نادر بين الأصالة والسكينة. ثم نزوى، التي لا تزال تحفظ التاريخ في جدرانها، وتهمس به في أسواقها وحصونها، كأن الزمن هناك اختار أن يتأنّى.



الصعود إلى الجبل الأخضر لم يكن انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل تحوّلًا داخليًا. الهواء أنقى، والصمت أعمق، والمشهد أشبه بتأمل مفتوح. وفي قرية سوجرة، حيث لا يزال الناس يسكنون الجبال كما لو أنهم جزء منها، أدركت أن البساطة حين تكون صادقة تصبح فخامة. هناك، في فندق معزول عن ضجيج العالم، شعرت بسلام نادر، سلام لا يُشترى ولا يُسوّق، بل يُمنح. حتى المقهى هناك يحمل اسمًا دالًا: “إناء”... كأن المكان يذكّرك أن كل شيء جميل يحتاج إلى تأني.

ثم جاءت صحراء الشرقية. ليلة في الخيام، تحت سماء ممتلئة بالنجوم، حيث يعزف العود وكأن النغم امتداد للصحراء نفسها. لا إشارات، لا شاشات، فقط نار خفيفة، وسماء سخية، وراحة بدائية تعيد الإنسان إلى أصله الأول.



وعلى بحر عُمان، تغيّر المشهد دون أن تفقد الرحلة روحها. حصون وقلاع برتغالية تقف على الساحل، شاهدة على تاريخ بحري طويل، وعلى قدرة هذا البلد أن يحتضن الغزاة قديمًا، ثم يحتفظ بهويته دون أن يفقد ملامحه.

ويأتي الزوار والسياح من جميع أنحاء العالم، صغارًا وكبارًا، ليستمتعوا بهذه البلاد السياحية الغنية بالمناظر الطبيعية والثقافة والتاريخ. تجد عُمان مفتوحة لكل من يبحث عن مغامرة هادئة أو استكشاف ثقافي، فكل زاوية فيها تقدّم تجربة مختلفة تجعل السياحة فيها ممتعة ومتنوعة للغاية.

لكن، ورغم كل هذا الجمال الطبيعي والتاريخي، يبقى الإنسان العُماني هو التجربة الأجمل. شعب لا يتصنّع الكرم لأنه جزء من تكوينه، ولا يتعامل مع السائح كضيف عابر، بل كإنسان مرحّب به بصدق. ابتسامة بلا مقابل، مساعدة بلا سؤال، وودّ يشعرك أنك لست غريبًا، حتى لو كانت هذه زيارتك الأولى.



عُمان ليست وجهة تُستهلك بالكاميرا، بل بلد يُعاد زيارته بالشوق. هي المكان الذي إن مررت به مرة، ستشعر أنك تركت فيه جزءًا منك، وستقضي بقية حياتك تحاول العودة لاستعادته.

"عُمان" تجربة يجب أن يعيشها الإنسان مرة واحدة على الأقل، ليعرف لماذا سيعود إليها مرارًا.