لم يكن القطاع الصحي الخاص في المملكة يومًا عنصرًا هامشيًا في المنظومة الصحية، بل مثّل عبر سنوات طويلة شريكًا عمليًا لوزارة الصحة في تقديم الرعاية، خصوصًا في الخدمات التخصصية وسد فجوات القدرة الاستيعابية ومواجهة مواسم الضغط. ومع انطلاق التحول الصحي ضمن رؤية السعودية 2030، انتقلت هذه العلاقة من شراكة بالحاجة إلى شراكة أكثر تنظيمًا، يُعوَّل عليها في نجاح التحول واستدامته.

في المراحل الأولى، قامت العلاقة على شراء الخدمات والإحالات والتشغيل الجزئي لبعض البرامج، ثم تطورت تدريجيًا لتشمل شراكات أطول أمدًا، واستثمارات صحية، ومساهمة القطاع الخاص في نقل التقنية ورفع الكفاءة. ورغم نجاح هذه المرحلة في سد احتياجات حقيقية، إلا أنها اتسمت أحيانًا بمرونة تنظيمية عالية، وغياب أطر واضحة للتسعير وتكافؤ الفرص.

مع إطلاق برنامج تحول القطاع الصحي، تغيّرت فلسفة الدولة تجاه القطاع الخاص. لم يعد الهدف سد فجوة مؤقتة، بل رفع كفاءة الإنفاق، وتحسين جودة الخدمات، وتحفيز الاستثمار، وتحويل القطاع الخاص إلى جزء أصيل من منظومة الرعاية الصحية، لا مجرد بديل عند الحاجة.


ودخول شركة الصحة القابضة كمشغّل رئيسي للمرافق الصحية الحكومية نقل هذه الشراكة إلى مرحلة أكثر حساسية. فالشركة، بوصفها كيانًا مملوكًا للدولة، ستعمل في سوق يضم مستثمرين من القطاع الخاص، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول كيفية إدارة المنافسة دون تضارب مصالح.

كيف يمكن لمشغّل حكومي أن ينافس القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه يكون جزءًا من منظومة الشراء والتشغيل؟ وكيف يمكن طمأنة المستثمرين في ظل امتلاك المشغّل الحكومي لأصول قائمة ودعم سيادي؟ هذه الأسئلة لا تمثل اعتراضًا على التحول، بقدر ما تعكس ضرورة تنظيمه بدقة حتى لا تتحول الشراكة إلى منافسة غير متكافئة.

التجارب الدولية تقدم دروسًا مهمة في هذا السياق. ففي بريطانيا، سُمح للقطاع الخاص بالعمل داخل منظومة الجهة المشغلة والجهة المشترية للخدمة. وفي هولندا، تتنافس المستشفيات الحكومية والخاصة تحت تنظيم صارم يربط التمويل بالجودة ويمنع الاحتكار. أما في أستراليا، فتم ضبط العلاقة بين القطاعين عبر تعاقدات شفافة تمنع تضارب الأدوار وتحمي استدامة الاستثمار.

وفي خضم هذا التحول، يبقى المواطن والمقيم في صدارة الاهتمام. فكل هذه التعقيدات المؤسسية لا تعنيهما بقدر ما تعنيهما سرعة الوصول للخدمة، وجودة الرعاية، ووضوح الحقوق، والحماية من التكاليف غير المبررة.

من واقع العمل في القطاعين العام والخاص هناك أمور يجب أن تعمل شركة الصحة القابضة على تحسينها. فالواقع الحالي فيه المركزية في التحويل للقطاع الخاص، فالقرار يصدر من قسم الإحالة في التجمع والموافقة تأخذ وقتًا طويلًا قد يضر بالمريض، وهناك طرق أفضل وأسرع وخاصةً في الحالات الحرجة وحالات العناية المركزة، فتحويل الحالة لاستشاري مناوب في التخصص ويكون على اطلاع بحالة الأسرة في التجمع وهو الأفضل في تقييم الحالة وحاجتها للنقل.

الأمر الآخر هو إلى أي مستشفى تنقل الحالة فالنظام الحالي هو كما يقول المثل (من سبق لبق) حيث تعرض الحالة على النظام وتذهب لمن يقبلها أولًا من المستشفيات الخاصة دون التأكد من قدرات وإمكانيات ذلك المستشفى. لذا فإن ترك القرار للاستشاري المناوب في التخصص، على أن يمكن من معرفة قدرات المستشفيات الخاصة وذلك بزيارتها وتقييمها دوريًا.

في المحصلة، شراكة القطاع الصحي الخاص ليست خيارًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية للتحول الصحي. غير أن نجاحها يتطلب إدارة دقيقة لدور شركة الصحة القابضة، بحيث تكون محفزًا للسوق لا مزاحمًا له، وشريكًا منظمًا لا منافسًا غير متكافئ. فعندما تُفصل الأدوار بوضوح، وتُدار المنافسة بشفافية، ويُوضع المستفيد في قلب المعادلة، يتحول الإصلاح الصحي من مشروع تنظيمي إلى تجربة يشعر بها المواطن والمقيم في حياته اليومية.