القارئ في بداياته، يقتنع بكل ما يقرأ، وكأن النص الذي أمامه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. غير أن هذه الحالة لا تدوم طويلًا؛ فمع تراكم القراءات تتكوّن لديه تصورات خاصة، وتنمو عنده العين الناقدة والفاحصة لكل فكرة يقع عليها بصره.
الكتاب خطير ونافع في الآن عينه؛ فهو خطير من حيث استفراده بالقارئ وبثّ سمومه الأيديولوجية فيه، لا سيما إذا كان القارئ لا يملك حسًا نقديًا. ونافع لأنه أهم وسيلة لاكتساب المعرفة. وللأسف، كلما كان مؤلف الكتاب عالمًا كبيرًا ومفكرًا مرموقًا، زادت قدرته على إخفاء أيديولوجيته وتحيزاته. وكلما ازداد الكاتب إدراكًا لشروط المعرفة، صار أقدر على الخروج عليها دون أن يلحظ القارئ ذلك.
والقارئ الجيد هو الذي يكتشف طبائع المؤلف وتحيزاته وتناقضاته، بل وأزمته النفسية، قبل أن يتعرّف إلى طبائع الجماهير وطريقة تفكيرهم من خلال حديث المؤلف عنهم؛ فالنص لا بدّ أن يكشف لك كاتبه قبل أن يكشف لك المجتمع أو الشخصيات أو الأفكار التي يتحدث عنها.
ولا ننسى أن بعض المؤلفين يملكون قوة لغوية مفرطة، وهذا ما يجب الحذر منه؛ إذ قد يسوق لك الأوهام ويقنعك بها بفضل سحر بيانه. وأكثر ما نجد ذلك عند رجال الأدب، حيث تتحول اللغة من وسيلة تعبير إلى أداة إقناع قسري.
وهناك اعتقاد فاسد بأن كثرة المعلومات دليل علو الثقافة، فيجتهد المرء في جمعها كما تُجمع الأموال. بينما المعلومات إنْ لم يصحبها وعي وإدراك وتحليل معرفي، فعدم وجودها أفضل؛ لأنها ستغدو، عندئذ، وسيلة تؤدي إلى الجهل المركب.
وأيضًا ينبغي التعامل بحذر مع الذكاء الاصطناعي؛ فعندما تسأله عن معلومة في كتاب معين، فإنه قد يعطيك إجابة على النقيض تمامًا مما ورد في الكتاب نفسه، ولذلك لا بدّ من قراءة الكتاب كاملًا كي لا تنطلي عليك مغالطات الذكاء الاصطناعي.
ومن جهة أخرى، فإن بعض الكتب لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به. وحين تتورط في قراءة أحدها، فإنك تجد نفسك حانقًا على المؤلف، لأنه أهدر وقتك ومالك.
وقد أصبحت الكتب الرديئة، والله، كالمحيط، وما الكتاب الجيد إلا كحصاة أُلقيت في وسط ذلك المحيط؛ فلن تراها لو كانت طافية، فكيف وهي في قاع البحر؟
ولا ننسى أن سهولة النشر جعلت التأليف كالسيل الجارف الذي يغذّي ذلك المحيط. وإننا حين ننظر إلى كتب التاريخ لا نجد هذا السقوط الجماعي الذي نراه اليوم، وأظن أن شحّ الورق وأدوات الكتابة كان سببًا في الحدّ من كتابة التفاهات؛ فلا يتم إنفاق الورق والحبر إلا فيما هو جدير بهما.
وهناك نصيحة يوجّهها لنا شوبنهاور، إذ يقول: «اقرأ أفضل ما كتبه الحكماء في التاريخ البشري»، وهو يقصد أن تتوقف عن قراءة سائر الكتابات. ومثال على ذلك، فهو يدعوك إلى قراءة كتاب «نقد العقل المحض» لإيمانويل كانط، وعدم قراءة باقي أعماله، فضلًا عن أعمال من هم دونه.
أما فتجنشتاين، فكان يفاخر بأنه لم يقرأ الفلسفات السابقة، ويرى أن قراءتها تُفقدك الاستقلالية الفكرية. وكان يوبخ تلاميذه إذا استشهدوا بأفلاطون أو أرسطو أو ديكارت أو هيغل، ويعدّ ذلك دليل ضعف لا قوة.
وهكذا، تظل القراءة الأفقية سلاحًا ذا حدّين: إمّا أن تنهض بالعقل وتوسّع مداركه، وإمّا أن تُغرق صاحبها في وهم المعرفة، فلا يتمكن الجهل من الإفلات من قبضة صاحبنا!