تزعجنا مناظر المتسولين في الشوارع، ربما لأنها مظهر مسيء حضاريا، وربما لأنها تذكرنا بموت الإنسانية فينا وغياب التكافل الاجتماعي المأمورين به في الإسلام، وكثيرا ما كنت أتمنى وما زلت أتمنى انقراض هذه الظاهرة للأبد، ليس عن طريق البطش بهؤلاء المتسولين ونهرهم، بل باقتراب ذوي الاختصاص منهم ومعرفة ما إذا كانوا في عوز بالفعل ولم يجدوا من يعينهم، أم أنهم ممن امتهنوا التسول كطريق ميسر للحصول على المال، إلا أنني استغربت كثيرا ما قامت به شرطة دبي من رصد جائزة مالية لمن يبلغ عن متسول، حيث اعتقدت أنهم سيتلمسون جراح هذا المتسول وينهون معاناته، إلا أنهم في الواقع يرغبون في إلقاء القبض على المتسول حتى لا يشوه وجه المدينة الجميل، مشددين كما أورد الخبر، على أن هؤلاء المتسولين قد تم استقدامهم من قبل شركات متفرقة، تحت مسميات كثيرة كاذبة، ملوحة بتشديد العقوبة على من يثبت تورطه في هذا الأمر، ولم يتم التطرق للفقر كظاهرة مسببة للتسول تستدعي العلاج والاهتمام.

من المؤكد أن انتشار المتسولين في بلد ما، مظهر غير حضاري، ويعطي انطباعا سيّئا عن تحضر هذا المجتمع ورقيه، بل ويقدح في إنسانيته، وجميل أن نحاول القضاء على هذه الظاهرة اللاإنسانية، ونساهم في اختفائها، وذلك بمعالجة أسبابها الكثيرة، والتي يعتبر السبب الرئيس والأهم فيها هو مشكلة الفقر.

اعترافنا بوجود الفقر والفقراء، ومد يد العون والمساعدة لهم، وتلمس احتياجاتهم، هو العامل الأهم في التخلص من هذه الظاهرة، والعامل الثاني هو محاربة مدّعي الفقر والفاقة، من أجل التغرير بالناس والحصول على المال بطريق سهل وميسر. والتعميم هنا غير مطلوب البتة ولا يخدم مصلحة الأوطان ولا مواطنيها، إلا إذا كان هوس الرقي والتمدن والتلميع يدفع بعضنا إلى التخلص من كل قيم الإنسانية. ليس في الفقر تمييز بين بني البشر، فحاجة وعوز المواطن مثل حاجة وعوز الأجنبي الذي تستقدمه، دون أن تحقق له دخلا مناسبا يحميه من الفقر في زمن الغلاء في بلادك، كلا الحالتين يجب التعامل معها بشكل إنساني، بعيدا عن التمييز.