للكاتب التركي الشهير بإبداعه الساخر عزيز نيسين قصة يتم تداولها على نطاق واسع في الكثير من المواقع والفعاليات التي تهتم بالأدب الساخر تحمل عنوان "وسام للحمار" يسبر فيها بحر قضية سياسية لافتة بلباقة وفنية عالية وتوظيف للرمز يصعب كثيرا على معظم من يمتهن الكتابة الوصول له. فهذا النص يجمع بين البساطة الشديدة سواء في اللغة أوالبناء الفني ـ لدرجة أن القصة قد تصلح لأطفال في عمر الخامسة ـ وبين الفكرة المثيرة جدا. ما دعاني لاستذكار هذا العمل المدهش هو الصدمة من اللغة المنحدرة التي يكتب بها الكثير من السجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية حاليا حتى في قضايا هامشية جدا، حيث يخيل للمتابع أن بعض المتجادلين يجهز مصطلحاته المقززة قبل أن يثار الموضوع أصلا، وعندما يبدأ في الكتابة لا يفعل شيئا سوى تعبئة فراغات بين كلمات جاهزة. فلو عملت مقارنة بين مضمون ورسالة قصة "نيسين" البسيطة جدا وبين مضامين تلك الجدالات العقيمة والسطحية في معظم الأحيان، لخرجت بنتيجة مفادها أن بعض البشر يشعرون بالفراغ والضعف، مما يجعلهم يحاولون الخروج من تلك الحالة بمحاولة لفت النظر إليهم ولو بأرخص العبارات.

طبعا هنا لا أتحدث عن الشكل الكتابي فلا مقارنة بين العمل الأدبي وغيره من أنواع الكتابة اليومية التي يجيدها كل من يعرف القراءة والكتابة، لكني أحاول المقاربة بين قوة الفكرة وجرأتها ومع ذلك أوصلها الكاتب بلغة عامة الناس دون إسفاف. قد يقول قائل إن هذا أمر طبيعي بين كاتب وأديب مبدع متمرس وبين شخص آخر لديه الفكرة لكنه لا يجيد إيصالها إلا بهذا الأسلوب المنفر. وأقول هذا صحيح لكن المشكلة أنه حتى من يوصفون بالأدباء والكتاب، تجد الكثير منهم لا يجيد شيئا سوى اتباع أسلوب "خذوهم بالصوت"، وهو لا شك الأسلوب الذي جعله يصنف في خانة الكُتاب، مع أن القارئ لو اطلع على ما كتبه قبل إعادة تصحيحه وتقويمه (إن كان يكتب في صحيفة مثلا) لصدم ولأيقن أن ما يحصل في الساحة هو صناعة "نجوم من ورق". بالطبع ليست الأمور سوداوية جدا، فيمكن الإشارة هنا إلى أن بعض البرامج الساخرة التي يعدها ويقدمها شباب مبدع عن طريق "يوتيوب" مثلا، تحوي بعض اللمسات الإبداعية في الكتابة الساخرة الراقية، ولكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلا آخر هو: ألا يوجد لدينا أديب (في السرد مثلا) يجيد الكتابة الساخرة؟.. من جهتي الشخصية، لم أجد حتى الآن.