الطريق للتضخم
ووفقًا لتقارير حديثة صادرة عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (أونكتاد)، فإن هذا الارتفاع الحاد في رسوم التأمين لا يقف عند حدود التكلفة المباشرة، بل يمثل المحرك الرئيس لظاهرة «التضخم المستورد». فعندما ترفع شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية تصنيف ممرات مائية بعينها كـ «مناطق نزاع»، فإنها تفرض فعليًا حصارًا ماليًا غير مباشر؛ إذ إن رفض التأمين على السفينة يعني قانونيًا منعها من دخول الموانئ الكبرى أو الحصول على تمويل بنكي للشحنات، مما يهدد بتمزيق «سلاسل الإمداد الرشيقة» التي يعتمد عليها العالم في تأمين الغذاء والطاقة.
وتشير عدد من التقارير الاقتصادية إلى أن رفض شركات التأمين تغطية بعض المسارات، أو اشتراط مبالغ تعجيزية، قد أجبر بالفعل كبريات شركات الشحن العالمية على اتخاذ قرار «الالتفاف الطويل» حول رأس الرجاء الصالح. هذا المسار البديل يضيف ما يقرب من 4.000 ميل بحري إلى الرحلة، ويرفع استهلاك الوقود بنحو 40%، ولكن الأخطر من ذلك هو أن هذا التأخير الزمني يقلل من الطاقة الاستيعابية الفعالة للأسطول العالمي بنسبة تصل إلى 15%، مما يؤدي إلى ندرة في المعروض من الحاويات وارتفاع جنوني في أسعار الشحن (Freight Rates).
صدمة التأمين
وفي سياق الارتباط بين التأمين والأمن الغذائي، تبرز بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التي تحذر من أن الدول المستوردة للحبوب هي الأكثر تأثرًا بـ «صدمة التأمين». فالبضائع ذات القيمة المنخفضة والهامش الربحي المحدود، مثل القمح والذرة، لا يمكنها استيعاب الارتفاع المفاجئ في كلف الحماية، مما يترجم فورًا إلى زيادة في أسعار الخبز والسلع المعيشية في الأسواق المحلية. إننا نعيش حالة من «تأثير الدومينو»؛ حيث تبدأ من قسط تأمين في لندن، وتنتهي بزيادة في فاتورة المستهلك في الشرق الأوسط وأفريقيا.
أبرز السيناريوهات
أما السيناريو الأكثر قتامة الذي يخشاه المحللون، فهو وصول قطاع التأمين إلى مرحلة «الانسحاب الكامل» من تغطية مخاطر الحرب في ممرات استراتيجية. في هذه الحالة، ستضطر الحكومات للتدخل عبر إنشاء «صناديق ضمان سيادية» لتغطية سفنها الوطنية، وهو حل عالي المخاطر قد يرهق الميزانيات العامة.