في أزمة إيران الحالية، اختارت السعودية التركيز على الاستقرار الداخلي، وتعزيز قدرتها الدبلوماسية بعيدًا عن السلوك المندفع أو الصوت المتشنج، فالقيادة السعودية وبحكمتها المعهودة حمت أرضها وشعبها دون أن تتحول إلى ساحة حرب. فقد فضلت المملكة التركيز على الاستقرار الداخلي وتعزيز قدرتها على التأثير الدبلوماسي بعيدًا عن الاستعراض العسكري ويمكن تفسير هذا السلوك على أنه نوع من السلطة الناعمة التي تعكس قدرة سياسية للتحكم في الأحداث وتوجيهها لصالح المصالح الوطنية، وهو بمثابة مستوى أعلى من القوة.
المملكة لم تنجرف خلف هستيريا الحرب، وفضلت الحياد وحماية نفسها ومقدراتها وشعبها دون الانجرار في حرب مفتوحة مع أي طرف من أطراف النزاع، فهناك دول وقيادات في بلدان متعددة من العالم تعاملت مع الأزمات والحروب بمنطق الشعارات والخطب الرنانة واستعراض القوة، والمملكة تتعامل مع الأحداث بمعادلة مختلفة في مواجهة التحديات الإقليمية.
فقد حاول النظام الإيراني توسيع نطاق الحرب، وجر المنطقة بالكامل لحرب إقليمية شاملة، لكنه اصطدم بذكاء إستراتيجي مرن يجيد الموازنة بين القوة الناعمة والسياسات الدفاعية الذكية التي تتبع عقيدة سياسية متزنة: كيف تحمي شعبك ومقدراتك دون أن تدخل في حرب استنزاف مفتوحة.
السياسة السعودية لعبت دورًا مسؤولا في مواجهتها تهديدات النظام الإيراني، وفق عقيدة سياسية ذكية تعتمد على الاستعداد العسكري ورفع الجاهزية، وتحصين الأجواء مع تفضيل إبقاء الأوضاع في نطاق السيطرة، مما يمكنهم من إظهار القوة دون الحاجة لاستخدامها بشكل مفرط، وهنا تتجلى الحكمة والإحساس بالمسؤولية تجاه العالم، فالمملكة في الحقيقة لا تخوض حربًا وجودية محدودة الأهداف، بل تحمي مشروعًا عالميًا ضخمًا يحافظ على اقتصاد العالم، ويؤمن إمدادات الطاقة له وتحمي الموانئ والمطارات وخطوط الإمداد والاستثمارات الضخمة طويلة الأمد.
وهذا يجعلها تقدم دروسًا في فن إدارة الأزمات، وكيف تحمي نفسك وشعبك دون أن تخسر نموذج حضاري بنيته في سنوات طويلة.
التعامل مع النظام الإيراني لا يمكن التنبؤ به فهو يتدخل في شؤون الدول ويوجه صواريخه ومسيراته بشكل منفلت على الأعداء والأصدقاء، ما يجعل التعامل معه يأخذ منحى خاصًا يتطلب التعامل بأسلوب هادئ بعيد عن التشنج والتصعيد، الذي كان يوسع نطاق الحرب ويعقدها بواسطة: الردع العسكري والنفوذ الاقتصادي والدبلوماسية النشطة، وهذا المزيج هو ما يمنح القدرة على إظهار القوة دون استخدامها بشكل مفرط وغير منضبط.
تلعب المملكة دورًا مهمًا في استقرار الاقتصاد العالمي، وهذا يتطلب منها التعامل الحذر والواعي وقد يقيد الخيارات العسكرية أو التصعيد السياسي، استجابة لواقع سياسي واقتصادي معقد، ووعيًا راسخًا أن أي تكلفة الحرب المفتوحة اليوم أعلى من أي مكاسب سياسية واقتصادية محتملة في المستقبل.