في ظل بيئة طبيعية تتسم بندرة الموارد المائية، تواصل المملكة تطوير منظومة متكاملة لإدارة المياه، تجمع بين الحلول التقنية والتخطيط الاستراتيجي، بهدف تحقيق الاستدامة وضمان الأمن المائي. وفي هذا السياق، ناقش مجلس الشورى، الثلاثاء، تقرير المؤسسة العامة للري، مؤكدًا أهمية تبني نهج أكثر تكاملًا في إدارة هذا المورد الحيوي.

وبرزت خلال مناقشات مجلس الشورى عدة توصيات تعكس توجهًا نحو تطوير إدارة المياه، من أبرزها حصر الأودية للاستفادة منها في إنشاء السدود، وتشكيل مجالس استشارية تضم خبراء ومزارعين، بما يعزز اتخاذ القرار المبني على المعرفة الميدانية.

وشملت التوصيات التوسع في تطبيق أنظمة الري الحديثة، إلى جانب إطلاق برنامج وطني للزراعة منخفضة الاستهلاك المائي، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية كفاءة الاستخدام في ظل محدودية الموارد.


مصادر متعددة

تعتمد السعودية على مصادر متعددة للمياه، تشمل:

المياه السطحية (الأودية والسدود)

المياه الجوفية (المتجددة وغير المتجددة)

الينابيع والآبار

المياه المحلاة

ورغم هذا التنوع، تظل الموارد محدودة، حيث تمثل مياه الأمطار المصدر الأساسي، لكنها قليلة وغير منتظمة، ويُفقد جزء كبير منها نتيجة التبخر أو الجريان السريع في الأودية.

إدارة حذرة

تُعد المياه الجوفية العمود الفقري للإمدادات المائية في المملكة، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 2.360 مليار متر مكعب مخزنة في الطبقات الجيولوجية، مع إعادة تغذية سنوية لا تتجاوز 3 مليارات متر مكعب فقط، مما يبرز الفجوة بين الاستهلاك والتجدد.

وتنتشر هذه الموارد في تكوينات جيولوجية واسعة، بخاصة في الرف العربي الذي يغطي نحو 70% من مساحة المملكة، وتضم هذه التكوينات طبقات رئيسة وأخرى ثانوية تختلف في جودتها وإنتاجيتها.

وتعود نشأة هذه المياه إلى عصور مطيرة قديمة، حين كانت معدلات الأمطار أعلى بكثير من المعدلات الحالية، وهو ما يجعل جزءًا كبيرًا منها غير متجدد، ويستلزم إدارة حذرة للحفاظ عليه.

شبكات أنابيب

تنتشر في المملكة مئات الأودية التي تشكل مجاري مائية موسمية، تختلف مسمياتها من منطقة إلى أخرى، وتشكل مصدرًا مهمًا لتغذية المياه الجوفية.

ورغم الجهود المبذولة لإنشاء السدود ومصايد المياه، فإن الاستفادة من مياه الأمطار لا تزال دون المستوى المأمول، بسبب التبخر العالي وسرعة الجريان، مما يعزز الحاجة إلى تطوير بنية تحتية أكثر كفاءة لاحتجاز هذه المياه.

ويمثل التحول إلى أنظمة الري الحديثة أحد أهم محاور ترشيد استهلاك المياه، حيث تنقسم إلى الري بالرش، والري بالتنقيط. وتعتمد هذه الأنظمة على إيصال المياه مباشرة إلى جذور النباتات عبر شبكات أنابيب، مما يقلل الفاقد ويرفع كفاءة الاستخدام، مقارنة بالطرق التقليدية. ويُعد التوسع في هذه التقنيات خطوة أساسية لدعم القطاع الزراعي دون استنزاف الموارد.

خبرة تراكمية

في مواجهة محدودية الموارد الطبيعية، أصبحت تحلية المياه الخيار الاستراتيجي الأول، حيث تنتج المملكة نحو 22% من إجمالي المياه المحلاة عالميًا، مما يجعلها في صدارة الدول في هذا المجال.

وتوفر المياه المحلاة أكثر من 60% من احتياجات المملكة، بينما تغطي المياه الجوفية والسدود النسبة المتبقية. وقد تجاوز الإنتاج السنوي ملياري متر مكعب عبر نحو 30 محطة، تُنقل المياه من خلالها عبر شبكة أنابيب تتجاوز 10 آلاف كيلومتر. وتعود بدايات التحلية في المملكة إلى أكثر من قرن، مما يعكس خبرة تراكمية طويلة في هذا المجال الحيوي.

البعد الجغرافي والبحري

تتمتع السعودية بواجهة بحرية واسعة على الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج العقبة، بمساحات بحرية تتجاوز 230 ألف كيلومتر مربع، مما يعزز من فرص التوسع في مشاريع التحلية والاستفادة من الموارد البحرية. وتعكس مجمل هذه الجهود توجهًا وطنيًا نحو إدارة مستدامة للموارد المائية، تقوم على:

تنويع مصادر المياه

رفع كفاءة الاستخدام

توظيف التقنيات الحديثة

تعزيز التخطيط طويل المدى

وفي ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب، تظل إدارة المياه في السعودية نموذجًا لتحدي الندرة عبر الابتكار، حيث لم تعد القضية مجرد توفير المياه، بل كيفية إدارتها بكفاءة واستدامة تضمن حق الأجيال القادمة.

الري الذكي

تعتمد تقنيات وأساليب مشاريع الري الزراعي الحديث على نظام الجدولة الآلية للري (الري الذكي Smart Irrigation) وهو أسلوب يستخدم أجهزة مجسات الرطوبة لاستشعار رطوبة التربة ومعرفة احتياجها من نسبة المياه استنادًا على نسبة رطوبتها، كما يمكن للجهاز معرفة الاحتياجات الموسمية للري من المحاصيل الزراعية، إضافة إلى انتقاء الطرق المناسبة للري وكمية المياه ونوعيتها ودراسة طبيعة التربية وخواصها الفيزيائية والحيوية لكل مشروع زراعي بهدف توفير المياه ورفع خصوبتها.

ويستعمل في مشاريع الري الزراعي الحديث معدات المبرمج بالرش والتنقيط للبيوت المحمية، ومعدّات الري الذاتي والمتحركة، وبرامج تحكم كامل بالسقاية والتسميد، ووحدات معالجة متخصصة في معالجة مياه الآبار ومياه السقاية بحسب حاجة المشروع، إضافة إلى معدات الري المعتمدة على الطاقة الشمسية.