لغط كبير وتراشق حاد وتأزم لافت أعقب القبض على الانفصالي نمر النمر خلال الأسبوعين الفارطين، ثم تلاها ردود فعل انفعالية صبيانية أقدم عليها بعض "المدزوزين".. من حرق لمبنى المحكمة بالقطيف ورشق رجال الأمن بالمولتوف، والفرار بالدراجة النارية والانزواء في أحد المهاجع.. هذه دائماً نفس الممارسات التي تنتج عن حالات التحريض الكلامية والتي يتولاها عادة الغلاة في كلا الفسطاطين (السنة والشيعة).

سبق أن كتبت عن تطرف وخروج بعض غلاة السنة ممن كانوا يفجرون ويلغمون الأفراد والأماكن بحجة الدعوة لإخلاء جزيرة العرب وتطهيرها من غير المسلمين.

وقد تضافرت الأسباب للسيطرة على هؤلاء المارقين وحفظ الأمن الذي كان مهدداً بوجودهم. ومن تلك الأسباب عدم التفاوض أو التسامح معهم، فالأمن في الأوطان أمر لا يقبل المساومة، فلا حياة تنمو ولا دنيا تزدهر ولا سعادة تكتمل مع إشاعة الخوف ونشر الإرهاب وزرع الشك والتوتر بين الناس. وجاءت لجان المناصحة مع فتح أبواب التوبة والرجوع للمغرر بهم وتسليم أنفسهم للسلطات الأمنية، ليكون ذلك سبباً آخر في تجفيف الأوردة التي كانت تضخ وقودها في مفاصل التطرف. ومثلما غالى الخارجون من أهل السنة فقد تطرف وشط بعض المغالين من أهل القطيف وأمعنوا في التحريض وإشعال الفتنة والدعوة للانفصال.

وقد أحسنت الدولة صنعاً بلجم هذه النزعة الشاذة بقيادة المارق المستسعر نمر النمر، وإن كنت أختلف مع من يرى أن الدولة قد أمهلته أكثر مما يجب، بل إنني أرى أنها بتركها له وإعطائه المهل والصبر على ترهاته قد أنذرته وأعذرت نفسها أمام أي لوم على هذا الفعل، بعد أن تمادى هذا الدعي وتجاوز سقف المحظورات، وأخذ بفعله يشجع بعض من في بطونهم "لحمة نيه" كما يقال للتجرؤ على هيبة الدولة، والتعريض بالوحدة الوطنية التي نتفيأ ظلالها بكافة أطيافنا المناطقية والقبلية والمذهبية، ولهذا فإن الدولة مدعوة لإعلان الحرب بلا هوادة على كل السائرين في مثل هذا المنحى الشاذ، ونتطلع إلى إيجاد لجان للمناصحة يتم تشكيلها من نخبة إخواننا من عقلاء القطيف ليتولوا "تعقيل" من قد يكون طالهم هذا المس، أو خالجتهم هذه الفتنة، أو من قد يكون منهم على علاقة بأي محرض خارجي لعلهم يثوبون إلى رشدهم، وضرب كل من توسوس له نفسه تفتيت وحدة وشمل هذه البلاد.

ولا بد لمثقفي ومتنوري القطيف من الخروج للعلن بلا مواربة أو مواقف رمادية وإعلان البراءة من كل دعاة الانفصال، ومن كل الذين يرهنون ولاءهم للخارج على حساب الداخل، ومن كل المنحازين للمذهب على حساب هذا الوطن الذي يجمع تحت سقفه - على حد سواء - كل الشيعة والسنة وكل المناطق شرقها وغربها ووسطها إلى شمالها وجنوبها، وكل القبائل والأعراق.

ولا شك في أن عقلاء القطيف يعلمون أن دعاة الانفصال عندهم إنما يحملون نفس الجينات التي جلبها البعض إثر جهادهم ومكثهم الطويل في أفغانستان، وتشربهم لأفكار التشدد والمغالاة والخروج عن الجماعة حتى صاروا يتطلعون لإيجاد دولة على نسق حكومة طالبان، والحال يعيد حاله مع نمر النمر وأتباعه ممن يحلمون ويهجسون بدولة "قطيفستان" مثلما كان من قبلهم، وهكذا كل الانفصاليين المتطرفين في كل زمان ومكان، لكننا تعلمنا وخبرنا أن غلبة العقلاء من الوطنيين هي التي تذيب وتمحق هذه النزعات التي تحدث في بعض الدول على حين من الدهر.

"فَأمَّا الزَبد فيذهبُ جفاءً وأما مَا يَنفع الناسَ فيمكُث في الأَرض".