لم تعد المقاهي في السنوات الأخيرة مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو اللقاءات العابرة، بل تحولت إلى مساحات اجتماعية تعكس أنماطًا اقتصادية وسلوكية جديدة، يتداخل فيها الاستهلاك مع الرغبة في الظهور الاجتماعي وصناعة الصورة الشخصية، في وقت تعد وجهة للهروب من ضغوطات العمل، والبحث عن الراحة والترفيه.

ثقافة رقمية

مع استمرار توسع قطاع المقاهي وانتشارها في الأحياء والمراكز التجارية، تبدو الظاهرة مرشحة للنمو بشكل أكبر، في ظل حضور قوي لثقافة الصورة الرقمية وتأثيرها على السلوك اليومي، فبين من يرى المقاهي مساحة للراحة والترفيه، ومن يعتبرها منصة لعرض أنماط الحياة، تبقى الحقيقة الأوضح أن فنجان القهوة لم يعد وحده بطل المشهد.


واجهة اجتماعية

أوضح الباحث الاجتماعي عبد الله الحازمي أنه في كثير من المدن، بات مشهد الجلوس في المقاهي مرتبطًا بعناصر تتجاوز جودة القهوة، لتشمل نوع المكان، وطريقة التصميم، والعلامات التجارية، وحتى شكل الصور المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن بعض المقاهي أصبحت تمثل واجهة اجتماعية أكثر من كونها نشاطًا تجاريًا تقليديًا، حيث يتعامل معها البعض كمساحة لإظهار مستوى معيشي معين أو الانتماء إلى نمط حياة يوصف بالرفاهية والعصرية.

تغير واضح

أشار المختص الأسري خالد الزين إلى أن ثقافة المقاهي شهدت تغيرًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، مضيفًا أن بعض الأفراد أصبحوا يربطون حضورهم الاجتماعي بالمكان الذي يرتادونه، وليس فقط بالأنشطة التي يمارسونها، موضحا أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تعزيز هذا التحول، إذ أصبح الظهور داخل المقاهي الفاخرة جزءًا من صناعة الهوية الرقمية لدى البعض، وأن هذا السلوك يبرز بشكل أوضح مع الشباب.

يرى الخبير الاقتصادي فهد العلي أن قطاع المقاهي استفاد تجاريًا من هذا التحول، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العلامات التجارية باتت تستثمر في التصميم الداخلي والديكورات وتجربة الزائر أكثر من تركيزها على المنتج نفسه، مشيرا إلى أن بعض المقاهي رفعت أسعارها بشكل ملحوظ نتيجة اعتمادها على القيمة المعنوية للمكان، وليس فقط على تكلفة المشروبات المقدمة، مبينا أن بعض الزبائن أصبحوا مستعدين لدفع مبالغ مرتفعة مقابل تجربة اجتماعية متكاملة، تشمل الجلسات الفاخرة، والموسيقى، والتصميم البصري، وحتى إمكانية التقاط الصور.

تجربة الزوار

أكدت سارة الغامدي أن المقاهي أصبحت بالنسبة لها مساحة للهروب من ضغوط العمل، لكنها تعترف في الوقت ذاته بأن اختيار المكان يتأثر بشهرته على مواقع التواصل،

بينما يرى أحمد الغامدي وهو طالب جامعي، أن بعض الأشخاص يزورون المقاهي بدافع الاستعراض الاجتماعي، خصوصًا عندما يتحول الجلوس لساعات طويلة إلى جلسات تصوير وتوثيق يومي.