أعلنت إحدى الشخصيات النسائية المعروفة مؤخرًا حصولها على درجة الدكتوراه، وما إن نشرت صور التخرج حتى انتقل النقاش سريعًا من الخبر نفسه إلى سؤال آخر: هل الجامعة معتمدة، وما وضعها الأكاديمي، وهل يحق لها استخدام لقب «دكتورة«؟ خلال ساعات، تحولت المنصات إلى مساحة مفتوحة لتداول معلومات عن الجامعة ومقرها وتصنيفاتها، وامتلأت التعليقات بحالة من السخرية والتشكيك، وكأن القضية لم تعد تتعلق بإنجاز شخصي بقدر ما أصبحت محاكمة علنية حول أحقية شخص ما في إضافة حرف »د« قبل اسمه.

هذه الحادثة ليست استثنائية، بل تعكس ظاهرة أوسع تتكرر كثيرًا في العالم العربي: الحساسية المفرطة تجاه لقب «دكتور». الدكتوراه في أصلها درجة أكاديمية بحثية مخصصة لمسارات علمية محددة، لكنها تحولت في بعض البيئات الاجتماعية إلى رمز للمكانة والوجاهة!

أحيانًا لا يُنظر إلى الشهادة باعتبارها رحلة بحثية طويلة ومجهدة، بل باعتبارها ترقية اجتماعية تمنح صاحبها مكانة أعلى في نظر الآخرين.


هذا ما يفسر لماذا يتحول خبر حصول شخص مشهور على الدكتوراه إلى جدل واسع، ولماذا يتعامل البعض مع اللقب وكأنه شهادة قيمة إنسانية كاملة. في بعض البيئات المهنية والإعلامية، يكفي أن يسبق الاسم حرف «د» حتى يحصل صاحبه على قدر أكبر من الهيبة، بغض النظر عن خبرته الحقيقية أو قدراته أو منجزه الفعلي.

في الاقتصادات الكبرى، لا تُقاس القيمة المهنية بهذه الطريقة. المستثمر الشهير «وارن بافيت»، أحد أبرز رجال المال في العالم، لم يحمل دكتوراه يومًا، اكتفى بالبكالوريوس والماجستير. «إيلون ماسك»، الذي يقود اليوم شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، التحق ببرنامج دكتوراه ثم غادره بعد يومين فقط ليبدأ مشروعه التجاري. «جيف بيزوس»، مؤسس أمازون، يحمل شهادة البكالوريوس فقط. و«تيم كوك»، الرئيس التنفيذي لشركة أبل، يحمل البكالوريوس والماجستير في إدارة الأعمال. هؤلاء قادوا شركات يعرفها العالم كله دون أن ينتظروا لقبًا أكاديميًا يمنحهم الاعتراف.

حتى داخل العالم العربي، نشاهد اليوم نماذج مختلفة من رواد الأعمال والمبدعين والمؤثرين الذين صنعوا حضورهم من خلال أفكارهم ومشروعاتهم، لا من خلال الألقاب الأكاديمية. التحولات الاقتصادية الجديدة، خصوصًا في قطاعات التقنية والترفيه وريادة الأعمال والاقتصاد الإبداعي، بدأت تعيد تعريف القيمة المهنية بعيدًا عن الهوس التقليدي بالألقاب.

والأكثر غرابة أن بعض الأشخاص يتعاملون مع اللقب باعتباره جزءًا غير قابل للفصل عن هويته الشخصية؛ يغضب إذا خوطب باسمه مجردًا، ويصر على أن يسبق اسمه لقب «دكتور« في كل مناسبة، حتى خارج السياق الأكاديمي أو المهني. هذه الحساسية تكشف إلى أي مدى تحولت الألقاب لدينا من تعريف مهني إلى »قيمة اجتماعية«، وكأن الاسم وحده لم يعد كافيًا ما لم تسبقه رتبة تمنحه وزنًا إضافيًا.

لا أحد يقلل من قيمة الدكتوراه الحقيقية، فهي جهد علمي محترم، وتبقى ضرورية في الجامعات ومراكز البحث العلمي والطب، والعلوم التطبيقية والتخصصات الدقيقة. المجتمعات تحتاج إلى العلماء والباحثين، من يكرسون سنوات من حياتهم لإنتاج علمي ومعرفة جديدة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الدكتوراه من فتح معرفي إلى مشروع وجاهة اجتماعية، وحين يصبح اللقب هدفًا مستقلًا عن المعرفة نفسها.

هنا تتحول الشهادة إلى رمز اجتماعي، ويتحول النقاش العام إلى مطاردة الناس على ألقابهم بدل تقييم إنجازاتهم الحقيقية.

المفارقة أننا نرفع اللقب فوق حجمه الطبيعي، ثم نبالغ أيضًا في محاكمة من يسعى إليه. نمنح حرف »د« سلطة رمزية ضخمة، ثم نستغرب لماذا يحاول البعض الحصول عليه بأي طريقة ممكنة.

ما حدث مؤخرًا ليس جديدا، وليس قصة شخصية، بل مرآة لثقافة لا تزال تربط «قيمة الفرد» بالألقاب أكثر من الإنجاز.

والسؤال الحقيقي ليس (من يستحق حرف »د» يسبق اسمه )؟، بل لماذا لا نزال نعتقد أن حرفًا واحدًا قادر على منح الإنسان قيمة أكبر مما يصنعه عمله الحقيقي؟

نرفع اللقب فوق حجمه الطبيعي، ثم نبالغ في محاكمة من يسعى إليه، نمنح حرفا سلطة رمزية ضخمة، ثم نستغرب لماذا يحاول البعض الحصول عليه بأي طريقة ممكنة.