عندما أنهى محمد السلمي الثانوية قرر ألا يسلك الطريق الذي يسلكه زملاؤه، فقد كان في داخله ما يدعوه للانفراد والبحث عن شيء مختلف، فاختار أن يدرس اللغة الفارسية، وكان اختياره لهذا التخصص - وهو الشاب المتفوق - مبعث دهشة الكثيرين حوله، فأي مستقبل ينتظره؟ ومن الذي يهتم بلغة من لغات العالم الثالث وليست حتى لغتنا؟! لكن ذلك الشغف بالآخر وثقافته وحضارته وسياسته كان قد مضى بمحمد بعيداً جداً، فلم يكن لآرائهم أن تُحدث فرقاً.

درس السلمي اللغة في جامعة الملك سعود، وأنهى البكالوريوس بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وعين معيداً في جامعة أم القرى.

لكن محمداً قرر أن يتعمق أكثر في الشأن الإيراني، فقرر أن يذهب إلى طهران ويدرس عاماً كاملاً في جامعتها، كانت تجربة فريدة بالنسبة إليه أن يعيش في بلد يعتنق سياسيوه لغة الكراهية والحقد والتهديد تجاهنا.

في إيران اكتشف محمد هول الدعاية الكاذبة التي توزعها أيدي إيران هنا وهناك، فالبلد النفطي يعاني شعبه من الفقر والحاجة والتهرب من القوانين والشرائع!

بعد عودة السلمي من طهران قرر أن يتخصص في الشأن الإيراني، فابتعثته جامعة أم القرى إلى بريطانيا ومن ثم إلى هولندا لإكمال دراسته، وهو اليوم ينتظر مناقشة أطروحته "مفهوم الآخر العربي في الفكر الإيراني الحديث".

محمد لم يكتفِ بالدراسة فقط، بل أنشأ حساباً في "تويتر" باسم "شؤون إيرانية" يتناول فيه أعمدة الصحف الإيرانية وأهم المقالات وخطب الجمعة والإحصائيات والمعارضة، ويناقش فيها ردود الشارع الإيراني، كما أن الحساب يتلقى عددا من الأسئلة من الآخرين وأحياناً الردود الغاضبة، وخصوصاً ممن يتخيل إيران جنة الإسلام في الأرض.

ويرد محمد عادة بلغة المحاور المثقف الواعي، وغالباً ردوده تدهشك بمنطقيتها وسعة أفقها وأدبها.

وللذكر يضع محمد في "بروفايله" دعوة للجميع لأن يحتفظوا بلغة حوار راقية، ولقد أعجبني ذلك من دكتور المستقبل الذي يؤدي دوراً توعوياً مميزاً لمجتمعه ولبلاده مستخدماً أدوات التواصل الاجتماعي التي يستخدمها البعض للإساءة لبلدنا ووطننا.

محمد صقر السلمي أنموذج حقيقي لما قد يثمره الاستثمار في الشباب وابتعاثهم والثقة في اختياراتهم، ألا تتفقون معي في ذلك؟