جبل ثور
بيّن العبادي أن أول ما كان يشغل الحاج عند وصوله إلى مكة المكرمة هو ملازمة المسجد الحرام والإكثار من الصلاة والطواف، إلى جانب حرص أعداد كبيرة من الحجاج على زيارة المعالم التاريخية التي ارتبطت بالسيرة النبوية داخل مكة وخارجها. وأشار إلى ما أورده الرحالة البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية» من ذكر لعدد من هذه المواقع، ومنها موضع مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ودار الخيزران المعروفة بدار الأرقم بن أبي الأرقم، ومسجد الجن، ومسجد الراية، ومسجد الإجابة، ومسجد البيعة الأولى بمنى عند العقبة، إضافة إلى غار حراء في قمة جبل النور حيث نزل الوحي لأول مرة، وجبل ثور جنوب مكة من جهة المسفلة.
وأضاف أن الحجاج كانوا يتوقون إلى مشاهدة تلك المعالم التاريخية التي شهدت أحداثا مفصلية في تاريخ الإسلام ونزول القرآن الكريم، ولا يزال كثير منهم يحرص على ذلك حتى اليوم، موضحا أن هذه المواقع تناولها مؤرخو مكة الأوائل في مؤلفاتهم، مثل الأزرقي والفاكهي والفاسي.
ذروة العمل
أشار العبادي إلى أن من المشاهد المعتادة آنذاك في المسجد الحرام حرص عدد من الحجاج، خصوصا القادمين من الهند وباكستان، على شراء الأكفان وغسلها بماء زمزم ثم نشرها في الحصوات حتى تجف، لتكون معدة لهم عند الوفاة.
وأوضح أن الاستعداد للتصعيد إلى المشاعر المقدسة كان يمثل ذروة العمل بالنسبة إلى المطوفين، حيث تبدأ ساعات العمل المكثف منذ ليلة التروية في الثامن من ذي الحجة، وبعد منتصف الليل يُسمح للحافلات بالدخول إلى مكة لنقل الحجاج إلى منى، فيما تعيش الشوارع حالة استنفار مروري وأمني لتنظيم حركة الحافلات ومواقفها دون إعاقة السير.
وذكر أن أغلب سائقي الحافلات في ذلك الوقت كانوا من أبناء مكة العاملين في شركات النقل المعروفة مثل «التوفيق» و«التوحيد» و«الشركة العربية»، مبينا أن أكثر ما كان يزعج المطوفين تأخر بعض الحافلات المجدولة، ما يضطرهم أحيانا إلى استئجار حافلات بديلة حرصا على نقل الحجاج في الوقت المحدد.
ولفت إلى أن «المباسط» كانت من أبرز المظاهر الخدمية في المشاعر المقدسة، وهي دكاكين صغيرة تُقام من الشراع أو ألواح الزنك لخدمة الحجاج، خاصة المشاة والفرادى، وتوفر لهم المشروبات والمأكولات الخفيفة، بينما كانت بعض المحلات الكبيرة والمخابز والمطاعم تمتلك فروعا موسمية في منى وحول الجمرات.
وأضاف أن المقاهي كانت تنتشر كذلك في منى وعرفات، خاصة على الطريق الواقع يمين مسجد نمرة، حيث تصطف عشرات المقاهي التي تقدم الماء والشاي والمرطبات والأطعمة وتشكل استراحات للحجاج.
باعة الحمص والفوفل
أشار العبادي إلى عادة معروفة لدى بعض أهالي مكة يوم عرفة تتمثل في الحرص على شراء ما يُعرف بـ«لحمة عرفة»، سواء بشراء اللحم مباشرة من عرفة أو تناول الرز باللحم في مطاعمها، موضحا أنه لا يعرف سببا محددا لارتباط هذه العادة بذلك اليوم.
وأوضح أن حركة الحجاج في منى خلال أيام التشريق كانت تتركز بين الجمرات ومسجد الخيف والمجزرة، إضافة إلى شارع «سوق العرب» وشارع «الجوهرة» اللذين كانا يعجان بالحركة التجارية، حيث تنتشر مباسط باعة الحمص والفوفل والفستق والحلاوة الليمونية واللوزية والبتاسة والخرنوب، وهي من أشهر المشتريات التي كان الحجاج يحرصون على اقتنائها كتذكارات.
وبيّن أن أغلب الحجاج كانوا يتعجلون بالنفر إلى مكة في اليوم الثاني عشر بعد الزوال، باستثناء حجاج جنوب شرق آسيا من الجاوة والماليزية وغيرهم، الذين كانوا غالبا ما يبقون إلى اليوم الثالث عشر.
وتحدث العبادي عن الأسواق التاريخية المحيطة بالمسجد الحرام قبل التوسعة السعودية الأولى عام 1375هـ، موضحا أن سوق المسعى كان من أبرزها، حيث تنتشر المحلات على جانبي المسعى لتقديم المشروبات والمأكولات والأقمشة والعطور والهدايا، وكانت تباع فيه الفطائر بالمربى صباحا، والمشويات ظهرا، والمهلبية ليلا.
كما أشار إلى سوق سويقة الذي وصفه الرحالة بوركهارت بأنه من أنظف أسواق مكة، حيث كان يُرش بالماء باستمرار، ويشتهر ببيع الأقمشة والشيلان الكشميري والعطور والزيوت والبلسم المكي وعود الند والمسابح والخواتم.
وأضاف أن سوق باب السلام كان مخصصا للكتبيين وبيع الكتب والهدايا، حيث كان أصحاب المكتبات يستعدون لموسم الحج بتوفير الكتب المطلوبة للحجاج، بل إن بعضهم كان يسافر أشهرا إلى بلدان مختلفة لجمع الكتب أو طلبها بالمراسلات قبل الموسم.
الأقمشة والعطور
استعرض العبادي كذلك عددا من الأسواق الأخرى، مثل السوق الصغير غرب المسجد الحرام المتخصص في المواد الغذائية، وسوق الليل شرق المسجد الحرام لبيع الفواكه والخضروات ومستلزمات الحجاج، إضافة إلى سوق المدعى الممتد من المسعى إلى المعلاة، والذي كان يُعد طريقا رئيسيا للمكيين والحجاج نحو المسجد الحرام، وتنتشر على جانبيه محلات الأقمشة والعطور والأدوات المنزلية.
وأشار إلى أن من أكثر ما كان يحرص الحجاج على شرائه آنذاك الزي السعودي، خصوصا الشماغ والعقال، إذ كان الحاج يرتديهما عند عودته إلى بلده باعتبارهما رمزا لقدومه من بلاد الحج.
وأكد العبادي أن موسم الحج كان يمثل موردا اقتصاديا مهما لأهالي مكة والعاملين في خدمة الحجاج، مبينا أن كثيرا من الأسر المكية كانت تؤجل حفلات الزواج أو الرحلات إلى الطائف حتى انتهاء الموسم، فيما كان بعض المطوفين يسافرون بعد الحج إلى بلدان الحجاج للتعريف بخدماتهم استعدادا للموسم التالي.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن ما يشهده الحج اليوم من تطور تقني ورقمي وتنظيمي يعكس حجم العناية الكبيرة التي أولتها المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، مشيرا إلى مبادرة «طريق مكة» بوصفها نموذجا لهذا التطور، حيث تُنهى إجراءات الحجاج في بلدانهم وتصل أمتعتهم إلى مقار إقامتهم في مكة قبل وصولهم.