هذه القراءة للتقرير تكتسب عمقاً أكبر عند النظر إلى الركائز الإستراتيجية الثلاث التي يقوم عليها المشروع الثقافي السعودي: الثقافة كنمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة دولياً. فهذه الركائز تعد في المقام الأول أهدافاً متجاورة وتقدم معا تصوراً متكاملاً لدور الثقافة في بناء المجتمع والدولة والاقتصاد والمكانة الدولية. تبدأ هذه الرؤية من اعتبار الثقافة جزءاً من الحياة اليومية للإنسان. فالحديث عن الثقافة كنمط حياة يعزز الهوية الوطنية ويصل بالثقافة إلى مختلف المناطق وشرائح المجتمع ويحسن جودة الحياة. وهنا تتجاوز الثقافة حدود المؤسسات الثقافية لتصبح جزءاً من التجربة اليومية للناس في القراءة، وفي الفنون، وفي الموسيقى، وفي التراث، وعروض الأزياء وفي علاقة الإنسان بمحيطه الجمالي والتاريخي والإنساني. كما تتجلى في قدرة الأفراد على الوصول إلى المنتج الثقافي والمشاركة فيه وصناعته، وفي حضور الثقافة داخل المدن والأحياء والجامعات والمدارس والأماكن العامة، وقد لمسنا هذا التجلي في عدد من المبادرات الميدانية التي اعتنت بحضور الثقافة أمام الجمهور في أغلب الأماكن وإن كانت تمثيلا مركزا على جوانب ثقافية محددة ونمط محدود أيضا، ولكنها في هذه المبادرات تعمل على أن تتحول الثقافة إلى عنصر فاعل في جودة الحياة وإلى أحد المكونات الأساسية التي تمنح المجتمع حيويته وقدرته على الإبداع والتجدد.
من المهم عند النظر إلى هذه الزاوية إدراك أن الثقافة يجب أن تعمل غالباً بصمت، فهي لا تظهر في الطرق والجسور والمباني ولا مقدار المشاركات ونسبها وأعدادها بقدر ما تظهر في السلوك واللغة والذائقة والعلاقة بالمكان والحفاظ على الهوية والانفتاح على الآخر. ولهذا تبدو الثقافة أشبه ببنية تحتية غير مرئية تسند كثيراً من مظاهر التنمية الأخرى، وتمنحها بعدها الإنساني وقدرتها على الاستمرار. فالمجتمعات التي تمتلك حياة ثقافية غنية تمتلك في الوقت ذاته قدرة أكبر على الابتكار والتفاعل والتماسك الاجتماعي وإنتاج المعنى المشترك بين أفرادها. من هذه النقطة تنطلق الركيزة الثانية لاستراتيجية الثقافة السعودية التي تعكس أحد أهم التحولات في الفكر الثقافي المعاصر، وهي النظر إلى الثقافة كمحرك للنمو الاقتصادي، وهذه الرؤية تتوافق مع التحولات العالمية التي جعلت الاقتصاد الإبداعي أحد أسرع القطاعات نمواً وأكثرها قدرة على إنتاج القيمة المضافة. فالثقافة اليوم أصبحت مصدراً للفرص الاقتصادية والاستثمارية، ومحركاً لصناعات متنوعة تشمل النشر والأفلام والموسيقى والتصميم والفنون البصرية والتراث والمنتجات الإبداعية بمختلف أشكالها متجاوزة العدد والإنتاج الرمزي. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من قياس النشاط الثقافي إلى قياس الأثر الثقافي. فعدد الفعاليات وعدد الزوار وحجم المشاركة تظل مؤشرات مهمة لفهم حجم الحراك الثقافي، إلا أن المرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطاً بأسئلة الاستدامة والأثر طويل المدى خاصة وأن مكانة المملكة العربية السعودية تتعاظم يوما بعد آخر اقتصاديا وسياحيا وثقافيا وأصبحت نموذجا للتطور العالمي الذكي والمواكب لمتطلبات العصر ومستضيفا مهما لعدد كبير من المؤتمرات والفعاليات والمناسبات العالمية، وفي المسألة الثقافية لا يقتصر الأمر على عدد المبادرات التي أُطلقت أو عدد المشاركات التي سجلت وإنما تمتد إلى قدرة هذه المبادرات على صناعة مواهب مستدامة، وتحويل الإبداع إلى مسار مهني، وتعزيز مساهمة الاقتصاد الإبداعي في التنمية الوطنية، وترسيخ حضور الثقافة في الحياة اليومية للمجتمع ومدى فاعلية الأفراد في كل هذا النتاج، وهنا يصبح قياس الأثر أكثر أهمية من قياس النشاط، لأنه يكشف التحولات الحقيقية التي تتركها الثقافة في الأفراد والمؤسسات والمدن والمجتمعات.
أما الركيزة الثالثة للاستراتيجية بحسب التقرير فتتعلق بدور الثقافة في تعزيز مكانة المملكة دولياً. وهي تعكس إدراكا مهما لمفهوم القوة الناعمة للمنتج الثقافي على التأثير عبر الأفكار والقيم والإبداع. فالمكانة الدولية تتشكل من خلال القدرة على إنتاج محتوى ثقافي مؤثر وتقديم تجربة إنسانية قادرة على الوصول إلى العالم والمشاركة في الحوار الثقافي العالمي مثلما تبنى من خلال المؤشرات الاقتصادية أو النفوذ السياسي. وعليه فإن المرحلة القادمة من المشروع الثقافي السعودي تبدو مرتبطة بقضية مهمة تتمثل في الهوية الثقافية للمدن. فالمشهد الثقافي الوطني نجح خلال السنوات الماضية في بناء قطاع ثقافي متنامٍ وتوسيع المشاركة الثقافية وإطلاق مشاريع ومؤسسات نوعية في مختلف المناطق، إلا أن الخطوة التالية قد تتمثل في بناء شخصيات ثقافية أكثر وضوحاً للمدن السعودية نفسها. فالمدن الثقافية المؤثرة عالمياً برزت من خلال قدرتها على تحويل تاريخها وذاكرتها وخصائصها الإنسانية إلى هوية ثقافية متماسكة يمكن التعرف إليها بسهولة. وهنا فإن التعامل مع هوية المدن كمشروع طويل الأمد يتشكل عبر تراكم الإبداع المحلي والمؤسسات الثقافية والذاكرة التاريخية والإنتاج المعرفي والتجارب الإنسانية المتعاقبة أمر مهم للغاية يناسب المرحلة التي وصلت لها المؤسسة الثقافية من نضج وإمكانات، فالهوية الثقافية لا تُصنع بقرار إداري، ولا تتكون عبر فعالية موسمية أو حملة تسويقية محدودة بزمن محدد، إنما تنمو بصورة تدريجية عندما ينجح المكان في التعبير عن نفسه وإنتاج قصته الخاصة وتقديم مساهمته المميزة في المشهد الوطني. ومع ما تملكه المملكة من تنوع جغرافي وتاريخي وثقافي واسع، فإن الفرصة تبدو كبيرة أمام المدن السعودية لتطوير هويات ثقافية متمايزة داخل إطار وطني جامع، بما يعزز جاذبيتها الثقافية والاقتصادية والسياحية ويمنحها قدرة أكبر على الإسهام في صورة المملكة الثقافية عالمياً. وفي الوقت ذاته تزداد أهمية العدالة الثقافية كأحد الشروط الأساسية لنجاح أي منظومة ثقافية وطنية، فإتاحة الفرص الثقافية لمختلف المناطق، وتمكين المواهب أينما وجدت، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الثقافية، وتحويل التنوع الثقافي للمملكة إلى مصدر إثراء متبادل بين المجتمعات المحلية، كلها عناصر تسهم في بناء مشهد ثقافي أكثر توازناً وقدرة على التعبير عن ثراء التجربة السعودية وتنوعها.
أهم ما يكشفه تقرير الحالة الثقافية في جوهره أن المملكة تجاوزت مرحلة إثبات أهمية الثقافة، ودخلت مرحلة أكثر عمقاً ترتبط بفهم أثرها وإدارة نموها وقياس نتائجها بعيدة المدى. وهي مرحلة يصبح فيها الحديث عن الثقافة حديثاً عن جودة الحياة، وعن الاقتصاد الإبداعي، وعن صورة المدن، وعن الهوية الوطنية، وعن المكانة الدولية للمملكة في آن واحد. وعندما تصل الثقافة إلى هذه المرحلة فإنها تتحول إلى قوة تنموية متكاملة تشارك في تشكيل المجتمع والمكان والمستقبل، وتصبح قدرتها على صناعة الأثر المؤشر الأهم على نجاح المشروع الثقافي واستدامته.