في عام 1977 كان العالم على موعد مع هزة سينمائية ضخمة تمثلت في فيلم (الرسالة) الفيلم الذي يحكي فترة الرسالة النبوية المحمدية وبدايتها، يتناول الفيلم مختلف الأحداث والتحولات التي مرت بها الدعوة المحمدية منذ انطلاقتها، وقصص إسلام وصبر بعض النماذج الإسلامية في فترة البعثة التي حفظتها كتب التاريخ.. كقصة بلال وعمار بن ياسر وحمزة ووحشي وخالد بن الوليد رضي الله عنهم جميعا، وما تخلل ذلك من أحداث وصولا إلى الفتح العظيم فتح مكة. ظهر الفيلم بنسختين عربية وإنجليزية حيث قام الفنان المصري عبد الله غيث بأداء دور حمزة بن عبدالمطلب في النسخة العربية، بينما قام بأدائها في النسخة الإنجليزية الفنان العالمي أنطوني كوين. ربما أن ذلك الفيلم قد شهد بعض الأخطاء ولكن وقعه والأثر الذي تركه في نفوس الجماهير التي شاهدته في كل العالم كان أبلغ من مئات الكتاب والمحاضرات عن الإسلام والبعثة النبوية الشريفة. آنذاك وقف الأزهر ووقفت بعض المؤسسات الدينية في العالم العربي موقفا مناهضا للفيلم، وهذا أمر يمكن تفهمه بحكم أنها التجربة الأولى في إنتاج أعمال سينمائية حول بداية الرسالة المحمدية، كان الخلاف حول تجسيد أدوار شخصيات لبعض الصحابة أمثال حمزة بن عبد المطلب وخالد بن الوليد، لكن سرعان ما تحول الفيلم إلى أحد أهم العوامل تأثيرا في تقديم صورة عن ظهور الإسلام وبدايات الدعوة على مستوى العالم.
بحدة أعلى جاءت ردة الفعل على إنتاج مسلسل عمر بن الخطاب، العمل الدرامي الذي أعلنت عنه مجموعة إم بي سي بالتعاون مع تلفزيون قطر منذ أكثر من عام والذي انطلق بثه مع بداية هذا الشهر الكريم، كان الجدل في معظمه متركزا حول فكرة تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم، وتمثيل شخصية عمر بن الخطاب، فاروق هذه الأمة وأحد أبرز الأسماء التي رافقت الدعوة المحمدية وانتصرت لها. إنما هل لهذا الجدل ما يبرره؟ في الواقع نعم. وفي مختلف الثقافات حينما يتجه الفن باتجاه ما يراه كثير من الناس مقدسات دينية تفتح أبوابا واسعة للجدل والاحتجاج. الفرق الأبرز أن تلك الاحتجاجات تأتي بعد ظهور العمل ومشاهدته ومعرفة ما إذا كان يحوي أخطاء أو تشويها لتلك الشخصيات أو مساسا بما هو ديني. اجتهدت الجهات المنتجة جدا في ألا تجعل من مسلسل عمر مجرد عملا دراميا تديره مؤسسات وشخصيات درامية وفنية بل اتجهت بالنص وهو عمود العمل وأوكلته إلى لجنة شرعية تضم مجموعة من العلماء الإسلاميين الذين يحظون بقبول في الشارع العربي والإسلامي، وحسب ما لدي من معلومات فقد كان لتلك اللجنة الشرعية مطلق الحرية في منع وشطب كل ما يمكن أن يمثل مساسا بتلك المرحلة النبوية التي تدور فيها أحداث العمل أو بأي من رموزها، خاصة أننا نتحدث عن جهات إنتاج عربية إسلامية، وهي جزء من هذا النسيج الثقافي الذي يؤمن برموزه الدينية ومراحله التاريخية. الحلقات الأولى من العمل لم تكن محايدة لصالح الواقعة التاريخية، بل كانت منحازة بكل إيجابية نحو القيم الدينية العليا التي شهدتها تلك المرحلة، وهو ما ينبئ أننا أمام عمل يستشعر مسؤوليته الثقافية والاجتماعية والدينية. لاحظوا كيف قدم المسلسل موقف الموالي والعبيد من الدعوة، وكيف كان دخولهم إلى الإسلام توقا لقيم المساواة والحرية التي جاء بها الإسلام، وهو ما يرسخ جانبا من الصورة الحقيقية للإسلام إنه دين الحرية والقدرة وليس دين الانقياد والتبعية.
إن الواقع الثقافي الحالي في كل العالم العربي بحاجة ماسة لبعث الرموز الإسلامية وتقديمها عبر وسائل جديدة أكثر انتشارا وقوة، خاصة أن هذه الفنون الدرامية يتجاوز تأثيرها تلك الوسائل التقليدية التي توقفت في خطابها وفي أدائها عند مخاطبة شرائح معينة وأصبحت محدودة التأثير. إننا أمة تحمل تاريخا واسعا وضخما ومليئا بالقيم العليا التي جاء بها دين عظيم وحضاري، ونحن أحوج ما نكون الآن إلى إعادة تقديم ذلك التاريخ بأفكار جديدة وبوسائل جديدة أيضا.