وُجدت التراتبية المهنية والقانونية لتنظيم العمل وحماية القرار، لا لحجب الحقيقة عنه. لكنها أحيانًا تتحول، بفعل بعض الممارسات، إلى حواجز تمنع وصول الصورة الكاملة إلى من يملك حق القرار ومسؤوليته.

المشكلة ليست في الأنظمة، بل فيمن يستغلها، لاحتكار المعلومة أو إعادة صياغتها بما يخدم مصالحه. فحين تصبح بعض الحلقات الإدارية عائقًا أمام الحقيقة، فإن الضرر لا يقع على الأفراد فحسب، بل على المؤسسة والقرار نفسه.

جهة ما، استمرت الإدارة العليا لسنوات تتلقى تقارير خضراء ومؤشرات مطمئنة عن مشروع استراتيجي. الجميع يؤكد أن العمل يسير وفق الخطة، وأن المخاطر تحت السيطرة. وعندما حان موعد التشغيل، تبيّن أن المشكلة الجوهرية التي كان يجب معالجتها منذ البداية لم تُرفع أصلًا إلى أصحاب القرار، ليس لأنها لم تكن معروفة، بل لأن كل مستوى إداري افترض أن المستوى الذي فوقه لا يريد سماع الأخبار السيئة. انتهى الأمر بتكلفة مضاعفة وتأخير كبير، بينما كانت الحقيقة موجودة منذ اليوم الأول، لكنها ماتت بين حلقات التراتبية قبل أن تصل إلى من يملك سلطة التصحيح!


هنا يكون التجاوز صلاحًا!! ليس تجاوزًا للنظام، بل عودة إلى غايته الأصلية. فالمؤسسات الناجحة لا تُبنى على حجب الحقائق، بل على وصولها. والقيادات الرشيدة لا تخشى المعرفة، بل تحتاجها لتتخذ القرار الصحيح.

من يملك حجة سليمة لا يخشى أن تُسمع، ومن يستند إلى الحقيقة لا يقلقه اتساع دائرة الاطلاع عليها. أما من يخشى وصولها، فغالبًا يظن أن المشكلة ليست في الحقيقة نفسها، بل فيما قد تكشفه.

أخيرا.. في التجاوز.. صلاح عندما يكون الهدف حماية المؤسسة، وتمكين القيادة من رؤية الواقع كما هو، فالحقيقة حين تصل إلى أهلها، لا تُضعف النظام، بل تعيد إليه قوته.