ومع كل التقدم العلمي وكل الكشوف والثورات العلمية التي توصل لها الإنسان، ظل سؤال العقل بلا إجابات، فلا يزال العقل البشري وماهيته وحدوده من الأسرار الدفينة التي حيرت الإنسان وجعلته يقف أمام هذا اللغز الكبير عاجزا عن تقديم أي إجابات أمام الأسئلة التي يفرضها العقل: ما العقل وما حدود المعرفة التي يمكن أن يصل لها هذا العقل؟ مما أعطى العقل البشري الأهمية الكبرى على مر العصور وبمختلف الثقافات أن «سؤال العقل» ارتبط ارتباطا وثيقا بالعقائد الدينية، وبات العقل البشري وحدوده تحدد مسار العقيدة الدينية، بالتالي دخل العقل البشري عند بعض الثقافات دهاليز الخرافة، وتجاوز حدوده الطبيعية وصار يخوض في مسائل خارج مجاله وفوق مستوى إمكانياته. مفهوم العقل صار يختلف من ثقافة لأخرى. ففي التراث الصيني تختلف ماهية العقل عن التراث الهندي، والعقل في التراث اليوناني يختلف عنه في التراث العربي الإسلامي. وبما أن حديثنا عن العقل فأول اسم يتبادر لأذهاننا الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» ودراسته الشهيرة للعقل البشري وحدوده. ودراسة كانط رغم جديتها وعمقها لكنها لم تخرج عن إطار الأسطورة اليونانية القديمة كما هي عند أفلاطون وعند ديكارت في زمن لاحق. عند فلاسفة اليونان وفلاسفة أوروبا إيمان بوجود عالمين بواقعين مختلفين جوهريا، الواقع كما هو، والواقع كما يظهر لحواسنا. هناك عالم عقلي خفي وباطني لا تدركه الحواس، والإيمان به صنع فصلا حادا بين الفلسفة العقلانية والفلسفة التجريبية. وبحسب الفلسفة اليونانية الأوروبية العالم العقلاني أو عالم المُثُل يمثل حقيقة أرقى وأعلى من العالم التجريبي الذي ندركه بالحواس. وهنا مكمن الأسطورة في مفهوم العقل في التراث اليوناني الأوروبي، فالاعتقاد بوجود عالم متجاوز للحواس يمكن إدراكه بالكشف أو الإلهام أو الحدس الروحي والعقل الاستدلالي. يقابله عالم حسي مضلل وزائف يسيطر عليه الشيطان الماكر ويظلل حواسنا. وبسبب هذا الفصل الحاد بين ما هو عقلي وما هو حسي، انقسم فلاسفة أوروبا إلى فلاسفة عقلانيين وفلاسفة تجريبيين. هناك من يثق بالعقل وهناك من يثق بالحواس. والعقل هنا يضاد الحواس وكلاهما يشتغل في مجال مختلف. الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت كان يعتقد أن الحواس تخدعنا، وأقام بحثه عن يقين لا يعتمد على التجربة الحسية لأنه كان يعتقد بوجود أفكار فطرية في العقل مستقلة كليا عن الحواس. أين يقع كانط من هذا التقسيم الأسطوري، عالم العقل وعالم الحواس؟ يقع كانط في منطقة وسيطة تبدو متحررة من قيود الأسطورة، ولكنها لا تزال مقيدة بقيود العالم المنقسم ما بين العقل والحواس. كانط يؤمن أن المعرفة لا تأتي من الحواس وحدها ولا من العقل وحده بل من تفاعل المعطيات الحسية مع البنى العقلية المسبقة. وأظهر لنا فكرته الاستثنائية «الشيء في ذاته». «الشيء في ذاته» فكرة تبدو عميقة ومتحررة من الموروث الديني ولكنها في حقيقتها فكرة غارقة في الأسطورة، ولم تتحرر من قيود الإيمان بوجود عالمين منفصلين: عقلاني وتجريبي. «الشيء في ذاته» يشبه مفهوم الغيب في الثقافة الإسلامية لكنه يختلف عنه جذريا لأن الغيب في الإسلام قابل للمعرفة بالوحي والدليل بينما «الشيء في ذاته» عند كانط غير قابل للمعرفة النظرية مطلقا. وإذا كان «الشيء في ذاته» غير قابل للمعرفة - بحسب كانط - فمن أين جاءت له المعرفة بوجوده أصلا. الفقهاء العرب -أهل الحديث تحديدا- تعاملوا مع مسائل الغيب والصفات بطريقة مميزة وتبدو أكثر عقلانية ونضجا تقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم: الالتزام بالنص كما ورد مع نفي التشبيه. الأمور الغيبية تؤخذ من القرآن والسنة كما هي دون الخوض فيها أو إعادة تفسيرها ضمن نماذج عقلية مجردة، أي يؤمنون بها إيمان تصديق وتسليم لا إيمان إعادة بناء فلسفية. ففي الثقافة العربية الإسلامية لا يوجد تقسيم للواقع إلى عالمين: عالم يدرك بالعقل وآخر يدرك بالحواس. ولعل عبارة أبي حنيفة الشهيرة في مسألة الصفات تختصر وجهة نظر الثقافة العربية الإسلامية في ما يتعلق بحدود العقل البشري: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة». أي إن معنى الصفة مفهوم لغويا ولكن كيفية الصفة غير معروفة وغير قابلة للإدراك. وهنا يتضح أن مقولة أبي حنيفة تبدو أكثر تعقلا ونضجا من كل ما قدمه الفيلسوف كانط. فكرة «الشيء في ذاته» ليست في حقيقتها إلا أسطورة يونانية منقحة أو معاد تدويرها، كانط لا يزال يؤمن بالواقع المنقسم ما بين عالم عقلاني وآخر حسي وهو هنا يشتغل ضمن دائرة غنوصية منفصلة لعالمين أحدهما مادي أدنى أو زائف والآخر عقلي يمثل عالم الحقائق العليا والمطلقة والنور الإلهي والخلاص عبر المعرفة الباطنية. بحسب كانط الحواس لا تعطينا الحقيقة كما هي أو «الشيء في ذاته» والغنوصية تقول إن العالم الحسي مضلل وزائف، وأوجه الشبه تكمن في عدم الثقة في الحواس. كانط وإن استحدث مفهوما جديدا (الشيء في ذاته) ولكنه لم يخرج عن الدائرة الغنوصية القديمة التي تقسم المعرفة بشكل حاد إلى معارف عقلانية باطنية يقابلها معارف حسية ظاهرية، يترتب عليها وجود معرفة خاصة باطنية وتمييز وجودي بين عالم أدنى وعالم أعلى وإمكانية الخلاص عبر معرفة خفية أو سرية. كانط وإن لم يصرح بوجود معرفة باطنية سرية أطلق عليها «الشيء في ذاته» ولكنه كان يشتغل داخلها ويتأثر بها في مجمل أفكاره حول نقد العقل البشري.