بعد أن نجحت المملكة خلال العقود الماضية في خفض الأمراض المعدية وتحسين فرص بقاء الأطفال على قيد الحياة، كشفت دراسة علمية حديثة أن الاضطرابات النفسية أصبحت المساهم الأكبر في العبء الصحي للأطفال واليافعين السعوديين بعمر 5 إلى 14 عاماً، مشكلة نحو 19% من إجمالي العبء الصحي لهذه الفئة، في مؤشر على انتقال التحديات الصحية من مكافحة العدوى إلى تعزيز الصحة النفسية وجودة الحياة.

تحول في خريطة الأمراض

أوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة BMC Public Health العلمية المحكمة، أن السعودية شهدت تحولاً وبائياً وصحياً كبيراً خلال العقود الأخيرة، تمثل في تراجع الأمراض المعدية وتحسن خدمات الرعاية الصحية وانخفاض وفيات الأطفال وارتفاع متوسط العمر المتوقع.


هذا التقدم الصحي لم ينهِ التحديات المرضية، بل غيّر طبيعتها. فبعد أن كانت العدوى وسوء التغذية من أبرز مسببات فقدان الصحة لدى الأطفال، برزت الأمراض غير المعدية والاضطرابات النفسية بوصفها التحدي الأكثر تأثيراً في جودة الحياة والرفاه الصحي.

ما الذي تعنيه نسبة الـ19%؟

لا تشير هذه النسبة إلى أن 19% من الأطفال السعوديين مصابون باضطرابات نفسية، بل تعكس حجم مساهمة هذه الاضطرابات في «العبء الصحي»، وهو مؤشر علمي يجمع بين سنوات الحياة المفقودة بسبب الوفاة المبكرة وسنوات العيش مع المرض أو الإعاقة وتراجع جودة الحياة. ويُستخدم هذا المؤشر عالمياً لتحديد القضايا الصحية الأكثر تأثيراً في المجتمعات، لأنه يقيس النتائج الصحية طويلة المدى للمرض، وليس عدد الحالات المسجلة فحسب.

آثار تتجاوز مرحلة الطفولة

لفتت الدراسة إلى أن مرحلة الطفولة واليافعة تمثل فترة حاسمة في نمو الدماغ وتطور المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية، مما يجعل الاضطرابات النفسية في هذه السنوات قادرة على ترك آثار قد تمتد إلى مراحل عمرية لاحقة.

كما ترتبط هذه الاضطرابات بزيادة احتمالات الصعوبات التعليمية وتراجع الأداء الدراسي وضعف التفاعل الاجتماعي، فضلاً عن ارتفاع مخاطر استمرار المشكلات النفسية والصحية خلال مرحلة البلوغ.

أولوية صحية جديدة

أظهرت الدراسة أن طبيعة العبء الصحي تختلف بين الفئات العمرية في المملكة؛ ففي الوقت الذي تتصدر فيه الاضطرابات النفسية المشهد الصحي للأطفال واليافعين، تبرز تحديات أخرى لدى البالغين وكبار السن، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات صحية تستجيب لاحتياجات كل مرحلة عمرية.

وتشير النتائج إلى أن صحة الأطفال في السعودية لم تعد تُقاس فقط بانخفاض الوفيات أو السيطرة على الأمراض المعدية، بل أصبحت تشمل أيضاً حماية الصحة النفسية، وتعزيز جودة الحياة، ودعم النمو السليم للأطفال بوصفها أحد أهم أولويات الصحة العامة في المملكة.

أبرز نتائج الدراسة

الاضطرابات النفسية تمثل 19% من العبء الصحي للأطفال واليافعين السعوديين.

النتيجة تخص الفئة العمرية بين 5 و14 عاماً.

المملكة انتقلت من هيمنة الأمراض المعدية إلى بروز الأمراض غير المعدية والاضطرابات النفسية.

العبء الصحي يقيس أثر المرض والإعاقة وجودة الحياة، وليس عدد المصابين فقط.

الدراسة تبرز الصحة النفسية بوصفها إحدى أولويات صحة الأطفال في السعودية.