اعتاد كثيرون النظر إلى التاريخ على أنه سلسلة من التواريخ والأحداث المتعاقبة، غير أن هذا التصور لا يكشف سوى جانب واحد من الحكاية. فالتاريخ في جوهره تجربة إنسانية، والإنسان لا يعيش الزمن بالطريقة التي تسجلها الساعات أو تحفظها الوثائق. هنا تتجلى قيمة التاريخ الشفاهي، الذي يمنح الذاكرة مساحة للتعبير عن الماضي كما عاشه الناس، لا كما دوّنته السجلات.

ينطلق المفكر فرد درويل من رؤية مختلفة للزمن، إذ يرى أن الإنسان يتحرك داخل أزمنة متعددة في الوقت نفسه. هناك زمن اجتماعي تصنعه العلاقات الإنسانية، وتحكمه المناسبات الكبرى التي تغير حياة المجتمعات. وهناك زمن ثقافي يستقر في العادات والتقاليد والأمثال والأغاني والطقوس التي تتوارثها الأجيال. كما يوجد زمن للأشياء، حيث تتحول البيوت القديمة، والآبار، والأسواق، والقطع التراثية، وحتى الأدوات البسيطة، إلى أوعية تحمل ذاكرة المكان، وتعيد استحضار قصص قد لا نجد لها أثراً في أي وثيقة مكتوبة.

من يجلس مع أحد كبار السن يدرك سريعاً أن الذاكرة لا ترتب الأحداث وفق السنوات. فقد يبدأ حديثه ببيت هدم منذ عقود، ثم ينتقل إلى موسم مطر غيّر حياة القرية، وبعدها يستذكر وجهاً غاب عن الدنيا منذ زمن طويل. هذا التسلسل لا يخضع للتقويم، وإنما يخضع لقيمة الحدث في وجدان الراوي، وهو ما يجعل الرواية الشفاهية أكثر قرباً من التجربة الإنسانية.


ومن هنا تأتي أهمية التاريخ الشفاهي في حفظ التراث الثقافي. فالوثائق تخبرنا بما حدث، في حين تخبرنا الروايات الشفاهية كيف عاش الناس تلك الأحداث، وكيف أثرت في لغتهم، وعلاقاتهم، ونظرتهم إلى الحياة. إنها تلتقط التفاصيل الصغيرة التي كثيراً ما تغيب عن السجلات الرسمية، مع أنها تمثل روح المجتمع وهويته.

وفي المملكة العربية السعودية تزداد أهمية هذا النوع من التوثيق، لأن كثيراً من التحولات الكبرى سبقتها حكايات تناقلها الناس جيلاً بعد جيل. أسماء الأماكن، والقصص المرتبطة بالأسواق القديمة، وروايات الرحلات، والمهن التقليدية، كلها تشكل أرشيفاً حياً يحتاج إلى عناية لا تقل عن عناية الوثائق الرسمية.

أفكار درويل تدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الزمن نفسه. فالماضي لا يعيش داخل الكتب وحدها، وإنما يسكن في ذاكرة الناس، وفي الأشياء التي تركها السابقون، وفي الثقافة التي لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. وكل رواية شفاهية صادقة تضيف قطعة جديدة إلى صورة التاريخ، وتجعل فهمنا للمجتمع أكثر عمقاً واتساعاً.

وحين ننصت إلى الذاكرة باهتمام، نكتشف أن الزمن لا يمضي تاركاً كل شيء خلفه، وإنما يواصل حضوره في الإنسان، وفي المكان، وفي الأشياء التي لا تزال تروي قصص أصحابها لمن يعرف كيف يصغي إليها.