هناك أناس يرحلون فتطويهم الأيام، وهناك أناس يرحلون فتبدأ حياتهم الثانية في ذاكرة من عرفوهم. وكان عبدالله أبو ملحة من هذا الصنف النادر. كلما استعدت محطة من محطات العمر، وجدته حاضرًا فيها بموقف، أو نصيحة، أو كلمة، أو عمل صامت ترك أثره في من حوله. وكأن قول محمود درويش: (إن الغائبين أطول عمرًا في الذاكرة من بعض الحاضرين) كُتب ليصف رجالًا من هذا النوع.
عرفت أبا عبدالعزيز في العمل العام، وفي المشاريع، وفي الشورى، وفي السفر، وفي الصداقة، ولم أعرفه يومًا إلا على حال واحدة. لم يكن رجلًا تتغير مواقفه بتغير الظروف، ولا تتبدل قيمه بتبدل المواقع. ظل ثابتًا على صفات صنعت شخصيته، الإخلاص، والوفاء، والعمل بصمت، وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
كان لقاؤنا الأول في هيئة سياحة منطقة عسير التي أسسها الأمير خالد الفيصل. ومنذ ذلك اللقاء أدركت أنني أمام رجل لا يبحث عن الأضواء، ولا يعنيه أن يُنسب الإنجاز إليه بقدر ما يعنيه أن يتحقق الإنجاز نفسه. كان سؤاله الدائم: ماذا يمكن أن نقدم لهذا المكان الذي ننتمي إليه؟ لم يكن الوطن عنده شعارًا يُردد، بل مسؤولية تُمارس كل يوم.
وحين تخرجت في الجامعة، وكانت أمامي خيارات وظيفية متعددة، استشرته في مستقبلي. أجابني دون تردد: أكمل دراستك، فالدكتوراه استثمار لا يعوض. لم تكن نصيحة عابرة، بل رؤية رجل اعتاد أن ينظر إلى المستقبل أكثر مما ينشغل بالحاضر. وبعد سنوات أدركت أن تلك الكلمات كانت من أثمن ما تلقيته من نصائح.
ثم جمعتنا تجربة تأسيس صحيفة «الوطن» وهناك رأيت جانبًا آخر من شخصيته. ففي الأيام الصعبة التي سبقت صدور الصحيفة، حين كانت التحديات المالية والتنظيمية تتراكم، لم يتردد في دعم المشروع من ماله الخاص. وحين سألته عن سبب ذلك، أجاب ببساطة: لأن خالد الفيصل يؤمن بهذا المشروع، وأنا لن أخذله. كانت جملة قصيرة، لكنها اختصرت شخصيته كلها. فالوفاء عنده لم يكن حديثًا يقال في المناسبات، بل قيمة يترجمها إلى أفعال، والتزامًا يحمله حتى عندما تكون الكلفة عالية. وكان يدرك أن المؤسسات الكبيرة لا تقوم على الأموال وحدها، بل على رجال يؤمنون بالفكرة قبل أن تؤتي ثمارها.
سافرنا معًا إلى عدد من العواصم الأوروبية في شتاء قارس، بحثًا عن المطابع والتجهيزات والشركاء للصحيفة. كانت الرحلات طويلة ومرهقة، ولم أسمعه مرة يشكو تعبًا أو يطلب راحة. كان يرى أن المشروع الذي يخدم الوطن يستحق كل جهد، وأن التعب يزول بينما يبقى ما يُنجز.
واجتمعنا لاحقًا أعضاءً في مجلس الشورى، فوجدته كما عرفته منذ البداية، واضحًا، وصريحًا، وصاحب رأي لا تحكمه المصلحة الشخصية. لم يدخل جلسة وهو يحمل طلبًا لنفسه، وإنما قضية تخص الناس، أو فكرة لتطوير مؤسسة، أو مشروعًا يخدم التنمية. وكان يؤمن أن المسؤولية العامة تكليف، لا وسيلة لتحقيق المكاسب.
ولعل أبلغ شهادة في هذه الصفة ما رواه الأمير متعب بن عبدالله في مجلس عزائه، حين قال إن الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، كان إذا رآه في مجلس الاستقبال بادره بالسؤال: ماذا لديك؟ لم يكن ذلك سؤالًا عابرًا، بل تعبير عن ثقة تراكمت عبر سنوات، حتى أصبح معروفًا أنه لا يأتي حاملًا مصلحة شخصية، وإنما قضية عامة تستحق أن تُسمع. فالملوك يلتقون آلاف الأشخاص، لكن قلة فقط يكتسبون من المصداقية ما يجعل السؤال الأول لهم: ماذا تحمل للوطن اليوم؟
وعندما أنهى عشرين عامًا رئيسًا لغرفة أبها التجارية، أصر الأمير خالد الفيصل على إقامة حفل تكريم يليق بما قدم، وقال سموه مخاطبا أبو عبدالعزيز: كان جدك وفيًا لجدي، ووالدك وفيًا لوالدي، وأنت وفي معي. لم تكن كلمات مجاملة، بل شهادة تختصر تاريخًا من الثبات على المبدأ، وتجسد قيمة أصبحت نادرة في زمن تتبدل فيه المواقف سريعًا.
وخلال مسيرته، أسهم عبدالله أبو ملحة وبقوة في بناء مؤسسات اقتصادية وتنموية كان لها أثرها الواضح في اقتصاد منطقة عسير، في غرفة أبها التجارية، وشركة أسمنت المنطقة الجنوبية، وصحيفة «الوطن» والمشروع السياحي في بداياته، وغيرها من المبادرات التي تجاوز أثرها حدود الأشخاص إلى خدمة المجتمع والتنمية.
وربما كان أهم ما يميز هذه السيرة أنها تؤكد حقيقة كثيرًا ما يغفلها الناس؛ فالمناصب لا تصنع قيمة الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يمنح المنصب قيمته. والإنجاز الحقيقي ليس فيما يضاف إلى السيرة الذاتية، بل فيما يبقى قائمًا بعد أن يغادر صاحبه موقعه.
رحل عبدالله أبو ملحة، لكن المؤسسات التي شارك في بنائها ما زالت تؤدي رسالتها، والنصائح التي أسداها ما زالت حاضرة في ذاكرة من عرفوه، والقيم التي عاش بها ما زالت تجد من يرويها. لقد ترك نموذجًا يؤكد أن الوطنية تُقاس بما يُنجز، وأن القيادة تُبنى بالثقة، وأن الوفاء ليس شعارًا، بل أسلوب حياة.
ولذلك فإن استحضار سير الرجال الكبار ليس نوعًا من الحنين إلى الماضي، بل ضرورة لبناء المستقبل. فالأمم لا تتقدم بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بما تختاره من نماذج تحتفي بها وتقدمها للأجيال. وإذا كانت المناصب تنتهي، والثروات تنتقل، فإن السمعة الطيبة، والأثر النافع، والرجال الذين جعلوا خدمة وطنهم رسالة عمرهم، هي وحدها التي تبقى، وتزداد قيمة كلما مضت السنوات.