الإيمان بأن هذا المنتخب لم يعد يشارك في كأس العالم ليكتفي بالأداء المشرف، بل ليرفع الكأس نفسها.
قد تبدو هذه الفكرة جريئة للبعض، لكن من تابع الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة يدرك أن ما يقدمه أسود الأطلس لم يعد يُفسَّر بموهبة جيل استثنائي أو بظروف بطولة عابرة. فقبل أربعة أعوام، عندما بلغ المغرب نصف نهائي كأس العالم، اعتقد كثيرون أن ما حدث مجرد لحظة تاريخية لن تتكرر، وأن جيلًا ذهبيًا اجتمع في التوقيت المناسب. لكن البطولة الحالية جاءت لتؤكد أن إنجاز 2022 لم يكن مفاجأة، بل أولى ثمار مشروع بدأ قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.
ولهذا لن أكون مصدومًا إذا رأيت المنتخب المغربي يرفع كأس العالم 2030. قد يبدو هذا التوقع مبالغًا فيه لدى البعض، لكنه بالنسبة لمن يقرأ المشروع المغربي منذ بدايته، يبدو احتمالًا منطقيًا أكثر منه حلمًا بعيد المنال، خصوصًا أن البطولة ستقام على أرض المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. فالمنتخبات لا تتوج بكأس العالم بالمصادفة، بل بالمشروعات التي تُبنى بصبر، ثم تحصد ثمارها في الوقت المناسب.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح كيف وصلت المغرب إلى هذه المرحلة؟
الإجابة لا تكمن في مدرب، ولا في مجموعة لاعبين احترفوا في أوروبا، ولا في جيل ذهبي ظهر مصادفة. فهذه كلها عوامل تساعد على النجاح، لكنها لا تصنعه وحدها.
قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، اتخذ المغرب قرارًا إستراتيجيًا. لم يبحث عن بطولة عاجلة، بل عن مشروع يصنع أجيالًا. استثمر في الأكاديميات، وطور الفئات السنية، واستقطب أبناء الجالية المغربية في أوروبا ضمن رؤية واضحة، وهيأ بيئة احترافية لصناعة اللاعب، ثم فعل ما تعجز عنه كثير من الاتحادات. صبر على مشروعه حتى بدأ يحصد ثماره.
وربما سيقول قائل إن سر قوة المغرب هو أن معظم لاعبيه يحترفون في أوروبا.
وهذا صحيح. لكنه ليس السبب الحقيقي. فمنتخبات إفريقية عديدة تمتلك محترفين في أكبر الدوريات الأوروبية، لكنها لم تحقق ما حققه المغرب. الفارق أن المغرب لم يترك نجاح لاعبيه للصدفة، بل جعل احترافهم جزءًا من مشروع متكامل، فأصبحت المنظومة تصنع منتخبًا قادرًا على المنافسة جيلًا بعد جيل، لا مجرد مجموعة من اللاعبين الموهوبين.
وهنا يجب أن نتوقف... ليس للحديث عن المغرب، بل للحديث عن أنفسنا.
ليس عيبًا أن نستنسخ التجربة المغربية. فالنجاح لا يحمل جنسية، والتعلم من الآخرين ليس انتقاصًا من الذات، بل اختصار للطريق. فجميع الدول التي صنعت نهضتها الرياضية درست التجارب الناجحة، ثم طورتها بما يتناسب مع إمكاناتها. والمغرب نفسه لم يخترع كرة القدم، بل استلهم أفضل الممارسات العالمية، ثم صاغ مشروعًا يناسب بيئته حتى أصبح اليوم نموذجًا يُحتذى.
لكن استنساخ التجربة المغربية لا يعني أن نصبح نسخة من المغرب، بل أن نستنسخ فلسفة نجاحه؛ رؤية واضحة تمتد لسنوات، واستقرارًا إداريًا لا يهتز مع كل إخفاق، وأكاديميات حديثة، ومسابقات قوية للفئات السنية، ومدربين مؤهلين، ومنظومة تجعل اللاعب السعودي محور عملية التطوير، لا مجرد جزء منها.
أما المملكة، فهي لا ينقصها شيء من مقومات النجاح. لدينا دعم غير مسبوق، وبنية تحتية عالمية، ودوري يحظى باهتمام دولي، واستضافة لكأس العالم 2034. وما نحتاج إليه اليوم ليس إمكانات أكبر، بل مشروع أكبر، يبدأ الآن، حتى يصبح المنتخب السعودي هو النتيجة الطبيعية لذلك العمل. كرة القدم لا تُبنى بقرار، ولا بمدرب، ولا بجيل ذهبي.
إنها تُبنى بمشروع. مشروع حقيقي يراه الجميع على أرض الواقع تتكلم نتائجه عنه بدلًا من أن يتحدث عنه.
وفي مونديال 2034 عندما يطلق الحكم صافرة افتتاح كأس العالم، أتمنى ألا يكون حديث العالم عن ملاعبنا، وتنظيمنا، وجماهيرنا فحسب، بل عن منتخب سعودي يقف بين كبار العالم، لأنه استحق ذلك داخل الملعب، لا لأنه صاحب الأرض.
لقد أثبت المغرب أن الطريق إلى القمة لا يبدأ من منصة التتويج، بل من غرفة التخطيط. واليوم، ونحن نستعد لاستضافة أكبر حدث كروي في العالم، يبقى السؤال الحقيقي هل نريد أن نستضيف كأس العالم.. أم نريد أن ننافس على الفوز به؟
دعوني أحلم أليس الحلم مباحا؟