لم تعد مهنة إعداد الحنيذ حكرًا على كبار السن، إذ تشهد محافظات منطقة عسير إقبالًا متزايدًا من شباب في العشرينات والثلاثينات أعادوا إحياء هذه الحرفة بأسلوب عصري، وحولوها من أكلة شعبية متوارثة إلى مشاريع تجارية ناجحة تستقطب الزوار والمصطافين خلال موسم الصيف.

حركة نشطة

رصدت «الوطن» خلال جولة ميدانية في محافظة محايل عسير، التي تُعد من أبرز المحافظات المشهورة بالحنيذ، نشاطًا ملحوظًا في الأسواق الشعبية ومحلات إعداد الحنيذ على الملة.


وقال محمد بن عواض، أحد شباب طهاة الحنيذ بمحايل: «الحنيذ مهنة نعتز بها ونتوارثها جيلا بعد جيل. كان والدي يعمل حناذًا، وأنا وشريكي أحمد الأسمري بدأنا مشوارنا من الأسواق الشعبية، ونحرص على متابعة جميع مراحل الإعداد بأنفسنا، بدءًا من اختيار أجود أنواع التيوس الصغيرة من أفضل المراحات، مرورًا بطريقة إشعال الحطب ومتابعة الجمر، وانتهاءً بإعداد الحنيذ على المرخ والسلع؛ ليخرج بالمذاق الذي اشتهرت به محايل».

مهرجان داعم للمهنة

أشار ابن عواض إلى أن استحداث مهرجان الحنيذ في محايل عسير شكّل دفعة قوية للمهنة وللشباب السعوديين العاملين فيها، مبينًا أن المهرجان أسهم في تعريف الزوار بمراحل إعداد الحنيذ، وأتاح للطهاة الشباب فرصة عرض منتجاتهم أمام جمهور أوسع.

وأضاف: «الإقبال كبير على حنيذ الملة، إذ يحرص الزوار والمتنزهون على متابعة مراحل إعداده، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو منذ إشعال الملة وحتى إخراج الحنيذ ورش الملح الخشن عليه».

فرص عمل

أسهمت مشاريع الحنيذ في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، استفاد منها مربو المواشي، وموردو الحطب، والعاملون في التغليف والتوصيل، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المصطافين في منطقة عسير خلال فصل الصيف.

وأكد ابن عواض أن المهن الشعبية لا تزال تمثل فرصة اقتصادية واعدة، قائلا: «نريد أن نؤكد أن المهن التراثية فيها خير وبركة، وكل شاب يتقن صنعته ويحرص على الجودة سيجد زبائنه، خصوصًا مع توجه المستهلكين اليوم نحو الأطعمة الأصيلة والنظيفة».

وبين دخان المرخ وعبق الحنيذ، يواصل شباب عسير إثبات أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل مورد اقتصادي وحاضر نابض بالحياة، يحافظ على الهوية الوطنية ويصنع فرصًا جديدة للأجيال الشابة.