والحق أن الهوية الوطنية لا يتهددها الخطر فقط حين تكون سائلة أو مضطربة، بل قد يتهددها أيضًا الخطر بعد تشكلها، إذا تركت دون صيانة واعية، فالتشكل يمنح الهوية صورةً وشكلًا، لكنه لا يضمن لها الدوام من تلقاء نفسه، وقد تخرج الهوية من التشتت إلى الوضوح، ومن الارتخاء إلى التماسك، ثم تبدأ مع الزمن في فقدان حرارتها الداخلية إذا لم تجد من يعيد بثها في الوعي، ويجدد حضورها في السلوك، ويمنع تحولها إلى مجرد مفردة خطابية أو طقس رمزي يتكرر بلا أثر عميق في الحياة.
ومن هنا فإن صيانة الهوية الوطنية لا تعني حراستها من الانهيار الظاهر فحسب، وإنما تعني حفظها من الاهتراء البطيء، وهذا أخطر ما يواجه الهويات في أزمنة الاستقرار، إذ إنها لا تنهار دائمًا بصدمات كبرى، وإنما تضعف بصمت، حينما تنفصل عن السلوك، أو تفرغ من معناها، أو تتحول من قوة حية إلى لغة معلبة لا أثر لها في الوجدان، فتبقى موجودة في الخطاب الظاهر، مع تراجع شديد في العمق.
إن صيانة الهوية تبدأ من الوعي بأن الهوية ليست مجرد تعريف بالذات، بل علاقة مستمرة بين الإنسان ووطنه، علاقة لا تترك للمصادفة، ولا تسلم للعفوية وحدها، بل تحتاج إلى تجديد دائم، فالوطنية التي لا يعاد إنتاجها في التعليم، وفي الثقافة، وفي الأسرة، وفي الإعلام، وفي المجال العام، تظل مهددة بأن تصبح شكلًا من أشكال الذاكرة الباردة، بدلًا من أن تكون طاقة وجدانية وأخلاقية وسلوكية متجددة.
ومن هذا المنطلق، فإن أول عناصر صيانة الهوية الوطنية السعودية هو صيانة معناها، إذ لا يكفي أن نقول للناس إنهم ينتمون إلى وطن عظيم، بل لا بد أن يظل هذا الانتماء مشبعًا بالمضمون الذي يبقي الصلة حية بين المواطن وبين المعنى العميق لوطنه: معنى الدولة، ومعنى الاستقرار، ومعنى الوحدة، ومعنى القيادة، ومعنى التماسك المجتمعي، ومعنى أن يكون للإنسان وطن يحمله في وجدانه وروحه، فالهوية التي تفقد معناها لا تنقذها كثرة الشعارات، لأنها تصبح هوية شكلية.
ثم تأتي بعد ذلك الصيانة بتعزيز السلوك الوطني، وهذه مسألة بالغة الأهمية؛ لأن الهوية لا تبقى حية إذا بقيت في دائرة العاطفة المجردة، فالهوية الوطنية لا تصان فقط في النصوص والخطب والمقررات، وإنما تصان أيضًا في الشارع، وفي المدرسة، وفي مكان العمل، وفي المجال الرقمي، وفي كل موضع يظهر فيه الإنسان بوصفه ممثلًا أخلاقيًا لوطنه، ومن هنا فإن احترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة، والانضباط، والإتقان، وتحمل المسؤولية، والوعي بخطورة الشائعات، والالتزام بالذوق العام، ليست مسائل إدارية أو أخلاقية منفصلة عن الهوية، بل هي في حقيقتها من صميم صيانة الهوية، فالوطنية التي لا تظهر في السلوك اليومي تبقى وطنية منقوصة، قابلة للضمور مع الوقت؛ ولذلك فإن من أهم ما ينبغي أن تتجه إليه عملية الصيانة هو تحويل الهوية من حالة احتفالية إلى حالة معيشة، فالهويات لا يضمن بقاؤها فقط بالاحتفال بها أحيانًا، بل أن تمارس بشكل دائم ومستمر، والمجتمع الذي لا يرى هويته في عاداته المدنية، وفي أخلاقه العامة، وفي التزامه العملي، قد يظن نفسه متماسكًا بينما هو في الحقيقة يعيش حالة من الانفصال بين القول والفعل، ولهذا فإن الصيانة الحقيقية للهوية ليست في رفع منسوب الكلام عنها فحسب، بل في جعلها أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة التي تكون في مجموعها البنية الحقيقية للمجتمع.
كما أن صيانة الهوية الوطنية تقتضي حتمًا صيانة الذاكرة، لا بوصفها حنينًا جامدًا إلى الماضي، وإنما بوصفها موردًا دائمًا للمعنى، فالذاكرة الوطنية حين تكون حية لا تجعل المجتمع أسيرًا للماضي، بل تمنحه القدرة على فهم نفسه في الحاضر، والذاكرة هي التي تربط الأجيال الجديدة بجذور الدولة، وبقصة التأسيس والوحدة، وبالجهد التاريخي الذي صنع هذا الكيان، بحيث لا يبدو الوطن وكأنه واقع طبيعي وجد من غير كلفة أو تضحيات، فمعرفة الثمن الذي دفع لبناء الوطن هي جزء أساس من صيانته في الوعي.
ويضاف إلى هذا أمر مهم، وهو أن الصيانة تحتاج أيضًا إلى تجديد السردية الوطنية بطريقة تجعلها قادرة على مخاطبة كل جيل بلغته وحاجاته وأسئلته، فلكل جيل منطقه في فهم الذات والعالم، وإذا ظلت الهوية تكلم الأجيال الجديدة بلغة لا تلامس عصرهم وواقعهم الثقافي، فإنها تبقى بالنسبة إليهم معلومة محترمة، لا تجربة حية، ولهذا فإن صيانة الهوية ليست تكرارًا ميكانيكيًا للخطاب القديم، بل هي قدرة على إعادة تقديم المعنى الوطني في صورة معاصرة، متوازنة، وواثقة، ومتصلة بالواقع والتحول.
وفي الحالة السعودية، تكتسب هذه الصيانة بعدًا إضافيًا بسبب اتساع التحولات التي تعيشها المملكة، فالتحول الكبير، على عظمته وضرورته، يفرض دائمًا تحديًا موازيًا: كيف يتغير المجتمع من دون أن يفقد نفسه؟ وكيف يتقدم من دون أن يتبدد؟ وكيف ينفتح من دون أن يذوب؟ وهنا تظهر الصيانة بوصفها شرطًا من شروط نجاح التحول نفسه، لا مقاومة للتحول، فالتحول الآمن ليس هو الذي يكتفي بإطلاق المشاريع فحسب، بل هو الذي يحافظ في أثناء ذلك على التماسك الداخلي للهوية، حتى يظل التطور امتدادًا للذات لا قطيعة معها.
ومن هنا يمكن القول إن صيانة الهوية الوطنية هي عملية تثبيت للمعنى في قلب الحركة، فالسعودية لا تعود إلى الوراء، ولا تتجمد عند صورة واحدة من صور ذاتها، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يتحول التغير إلى فراغ مرجعي أو رخاوة انتمائية، أو خلل هوياتي، والنجاح الحقيقي لأي مشروع وطني كبير لا يقاس فقط بما يبنيه من مؤسسات وقطاعات، بل يقاس أيضًا بقدرته على إبقاء الإنسان متصلًا بوطنه اتصالًا أكثر عمقًا كلما اتسع نطاق التحول.
إن الهوية إذا خرجت من السيولة إلى التشكل فقد ربحت وضوحها، لكنها لا تضمن بقاء هذا الوضوح إلا بالصيانة، والصيانة يجب ألا تكون عملًا طارئًا، وإنما وظيفة دائمة، يعاد بناؤه من الداخل على نحو مستمر، فالهوية الوطنية التي تتشكل ولا تُصان، تظل قابلة لأن تبهت وهي واقفة، فالتشكل يمنح الهوية صورتها، أما الصيانة على نحو ما ذكرناه فتهبها الاستمرارية.