قراءة تاريخ الخليفة العباسي «المأمون» دائما ما تثير التساؤلات. فهو من أكثر شخصيات التاريخ الإسلامي غرابة، فاسمه ارتبط بالحركة العلمية والترجمة رغم أن علاقته بدعم طلاب العلم مشكوك فيها، فهو وإن كان رجل سياسة يتصف بالذكاء والبراغماتية، لكنه لم يسهم فعليا في دعم النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية كما يشاع.

ولعل السبب في ربطنا الخاطئ بين المأمون والحركة العلمية هو وقوعنا في فخ المفارقة التاريخية، أي قراءتنا للماضي بعيون الحاضر أو الإسقاط الزمني (Anachronism). ويحدث عندما نحاكم الماضي ونقرؤه باستخدام مفاهيم وقيم ونظريات تشكلت في الحاضر، كأن نطبق مفاهيم الديمقراطية الليبرالية أو العلمانية أو المؤسسات الحديثة على مجتمعات قديمة، ما ينتج عنه قراءة مشوهة أو مبتسرة للتاريخ.

ارتبط اسم المأمون بدعم وتمويل «بيت الحكمة». والاعتقاد السائد أنه مول ودعم الأنشطة العلمية والمعرفية داخل بيت الحكمة ينطوي على مفارقتين تاريخيتين، أولا إسقاط مؤسسة حديثة كالجامعة بكامل هيكليتها البيروقراطية على الماضي. فغالبا ما يصور بيت الحكمة باعتباره أول جامعة في التاريخ بما تحتويه الجامعة الحديثة من (أقسام أكاديمية، كليات، مستشفيات جامعية، مراصد فلكية، سكن طلابي، إدارة للتسجيل والمنح).


والمفارقة الثانية الاعتقاد بمركزية العلم، أي أن النهضة العلمية لا يمكن أن تنهض أو تتقدم إلا من خلال مؤسسة رسمية ذات طابع مركزي وتنظيمي، وتفترض أن الطلاب يقضون فيها أوقاتا دراسية بين القاعات والمختبرات. ولكن في الحقيقة المؤسسة التعليمية المغلقة بالمفهوم المعاصر غير موجودة إطلاقا في القرن الثالث الهجري، فالمعرفة في العصر العباسي كانت لا مركزية بالكامل، تعتمد على فضاءات مفتوحة للجميع كالحلقة في المسجد والرحلة العلمية ونظام الإجازة من الشيخ مباشرة، والخليفة العباسي المأمون لم يكن له إسهام يذكر فالحلقات العلمية بالمسجد، ولم يمول أي رحلة علمية أو يضع معايير للإجازة. كانت الحركة العلمية نشاطا اجتماعيا متحررا بشكل كبير من التنظيم المؤسسي.

هاتان المفارقتان تفترضان أن خلفاء الدولة العباسية وتحديدا المأمون ووالده هارون الرشيد أنشؤوا بيت الحكمة ودعموه ومولوه كمشروع ضخم لترجمة كل التراث اليوناني بهدف إحداث نهضة وتنوير المجتمع الغارق في الجهل والظلامية. فإذا كانت الأداة التي يفترض أن المأمون قاد بها النهضة (بيت الحكمة) هي مجرد أسطورة ولا حقيقة لها، فإن الادعاء بأن رعاية المأمون الرسمية هي سبب النهضة يسقط منهجيا لأن العلم أساسا كان لا مركزيا بالكامل، وقائما على المبادرات الفردية ورحلات العلماء غير الممولة، وليس على مؤسسات الدولة العباسية. ويمكن القول إن خطاب الاستشراق مسؤول عن تكريس مثل هذه المغالطات، فغالبا ما نقرأ تاريخنا عبر كتابات المستشرقين.

لم تتقدم النهضة العلمية بفضل الترجمة المنسوبة لرعاية الخليفة، بل كانت النهضة العلمية الحقيقية مثل تأسيس علم الجبر والرياضيات والعلوم اللغوية تتشكل داخل المساجد وبدافع من الحاجات الشرعية والفقهية. فالابتكار العلمي الفريد (علم الجبر) المنبثق من القياس الفقهي ولد بعيدا عن الفلسفة اليونانية وعن بلاط المأمون، بل نشأ باعتباره تقعيدا للحساب الشرعي في فضاءات حرة متحررة من المؤسساتية.

تم تصوير المأمون في أدبيات الفكر المعاصر، بتأثير مباشر وغير مباشر من الاستشراق، وكأنه رائد الترجمة القومية الشاملة الذي يستورد التراث اليوناني ليحرر العقل العربي من التقليد وينقله للعقلانية والتنوير. ولكن الحقيقة أن المأمون كان شخصية سياسية في سياق عصرها، وعلاقته المزعومة بدعم طلاب العلم مشكوك فيها ولم يسهم فعليا في دعم النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية كما يشاع.