هذه الفكرة لم تخطر في ذهني إلا عندما مررت يومًا بورش لإصلاح السيارات تجاور مقبرة. كان المشهد عاديًا، لكنه اختصر الحياة في صورة واحدة؛ أناس يركضون خلف تفاصيل يومهم، وآخرون انتهت رحلتهم، تاركين خلفهم كل ما أقلقهم يومًا.
حينها تساءلت: كم من مشكلة سلبتنا النوم، ثم مرت الأيام حتى نسيناها؟ وكم من خلاف استنزف مشاعرنا، ثم اكتشفنا متأخرين أنه لم يكن يستحق كل ذلك العناء؟ نحن بارعون في تضخيم ما يواجهنا، حتى يصبح الهم أكبر من حجمه الحقيقي، فنعيش أسرى لأحداث لن يكون لها بعد سنوات أي أثر.
الحياة لا تعد أحدًا بأنها ستكون سهلة، ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. فالابتلاء جزء من رحلة الإنسان، والنجاح لا يخلو من التعب، والعلاقات لا تخلو من الاختلاف، والأحلام لا تتحقق جميعها كما نرسمها. لكن المشكلة ليست في وجود هذه التحديات، بل في الطريقة التي نستقبلها بها.
ولعل أكثر ما أفسد هدوء حياتنا أننا أصبحنا نقارن أنفسنا بالآخرين. نرى صور نجاحهم، ولا نرى سنوات تعبهم، ونشهد لحظات سعادتهم، ولا نعرف ما يخفونه من قلق أو خسارة أو ألم. فنظن أن الحياة أنصفت الجميع إلا نحن، مع أن لكل إنسان قصة لا يعرف تفاصيلها إلا الله.
ومع هذا كله، اعتاد كثير منا أن يجعل الشكوى لغة يومية؛ نشكو من العمل، ومن ضيق الوقت، ومن الظروف، حتى أصبحت النعم تمر أمام أعيننا دون أن نتوقف عندها. ولو أننا التفتنا إلى ما نملك قبل ما ينقصنا، لتغيرت نظرتنا إلى كثير من الأشياء.
ولا يعني ذلك أن يتجاهل الإنسان ألمه، أو يكتم همه، أو يستغني عن نصيحة صديق أو عون قريب، فالناس خُلقوا ليتعاونوا. لكن يبقى في القلب ما لا يسعه إلا باب الله. ولذلك قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. إنها ليست كلمات تُتلى، بل منهج حياة؛ أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ثم يطمئن إلى أن ما عند الله خير، وأن ما اختاره له أرحم مما اختاره لنفسه.
لو أدركنا أن الدنيا محطة لا مقر، وأن كل ضيق إلى زوال، وأن ما يقلقنا اليوم سيصبح غدًا صفحة من الماضي، لعشنا في طمأنينة. فليس المطلوب أن تخلو حياتنا من المشكلات، وإنما أن نتعلم كيف نعيش معها دون أن تسرق منا أعمارنا.