التلفزيون والسينما من وسائل الاتصال الإعلامية الترفيهية التثقيفية التي تأخذ على عاتقها تقديم ما يمكن له خدمة المجتمع الإنساني ورقيه، وتسهم في بناء عقليات أكثر استيعاباً وفهماً لمحيطها الشعبي والعالمي على حدٍ سواء، وتوسيع مداركها قدر الإمكان.
وقد كان لدخول التلفزيون إلى دول الخليج العربي الأثر الأكبر في تغيير كثير من المفاهيم النمطية عن بعضها البعض كدول جوار، وهي التي اعتاد سكانها على تناقل بعضها على شكل أقاصيص مختلفة تصل أحياناً إلى درجة الخيال. وقد كان بعض زوار أبي – رحمه الله- وأصدقائه مثلاً ينقلون عن الكويت مجتمعاً ودولة الكثير من الأعاجيب التي تفغر لها أفواهنا ونحن صغار.
الكويت كانت حاضرة على الدوام في ذاكرتنا كنموذج لبقية دول الخليج، وكثير منا تمنى السفر إليها في لحظة تاريخية. فمن بين مقتنيات أبي – رحمه الله- التي أدركتها في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات الميلادية، أشرطة وأسطوانات لبعض أبرز المطربين الكويتيين، كعبدالكريم عبدالقادر ومحمد زويد وعوض الدوخي وغريد الشاطئ وغيرهم.
وكان لظهور العروض الأولى للتلفزيون بـ"اسكتشات" الفنانين عبدالحسين عبدالرضا وسعاد عبدالله وعلي المفيدي، أكثر من معنى إنساني في حياتنا ويومياتنا. وكم تمنيت ألا تتغير تلك الصورة الجميلة التي ارتسمت في الذاكرة عن تلك المجتمعات. اليوم وبعد أكثر من 25 عاماً، وبعد هجمة شاشات القنوات الفضائية على مجتمعاتنا بشكل عنيف، أجدني محبطاً من كم الوجع الذي تنثره هذه القنوات عبر سيل المسلسلات الخليجية هنا وهناك. والتي تُظهر تلك المجتمعات بمظهر التفكك والبؤس والألم والأحزان والخيانات والمخدرات، والجشع والغدر والتآمر، وعصيان وتمرد أسري وعقوق والدين، وكمية هائلة جداً من الدموع والبكاء والجراح! وتُظهر بنات الخليج في قالب مشوش غير معهود عنهن، أو عن مجتمعاتهن كقيمة إنسانية نبيلة، أو كطريقة حياة اجتماعية حقيقية. ويظهر ذلك من خلال حجم التبرج المبالغ فيه على بطلات تلك المسلسلات الخليجية وبشكل مستفز أيضاً. وافتعال مشاهد لا تمت بصلة لواقع المجتمع الخليجي المعروف بتحفظه. وهذا نوع من التحايل على عقولنا وعيوننا التي تعيش في عمق المجتمع وصلبه. كما أنه ليس هناك تفسير واضح لهذا السباق المحموم على تقديم المجتمعات الخليجية وبناتها وشبابها بهذه الصورة المُقلدة والسوداوية المخجلة أحياناً في معظم المسلسلات الخليجية في السنوات العشر الأخيرة. قد يكون مبدأ العرض والطلب مفهوماً عندي وعند البعض، ولكن ليس على حساب قيم الأخلاق والحقيقة. فحجة تقديم قضايانا وضرورة المكاشفة للبحث عن العلاج، تبدو حجة سخيفة في ظل الطرح والتناول المتعاليين كثيراً على واقعها الاجتماعي. فعلى الرغم من الانتقادات الواسعة لمثل هذه الأعمال الدرامية الكثيرة، إلا أنها لم تستفد بالقدر المُقنع الذي يزعمه القائمون عليها! بل إن الملاحظ هو انسياقها خلف التقليد لطريقة إخراج وتقديم المسلسلات الوافدة (التركية والجنوب أميركية) تحديداً، لتلغي بسذاجة أهمية تأسيس روحها وأسلوبها الخاصين، وتاركة المضمون قابعاً في مكانه الأجوف الخالي من المصداقية والحقيقة. فالرجل الناجح في المسلسل الخليجي هو ذلك الشاب الذي يتنكر له أهله، ويقذفون به خارج أسرتهم ليعيش حياة البؤس والفاقة والدموع، ليخرج من رحمها بعد بضع سنين بطلاً ناجحاً ثرياً.. فكرة مأساوية مكرورة مجترة من روح السينما الهندية (بوليود)، إذ لم تنجح عقلية الدراما في الخليج من التخلص منها على مدى السنوات الماضية. وفي ذلك افتراء على نموذج الشاب الخليجي المبدع والناجح، مما يدل على ضيق مساحة الإبداع القصصي ومحدوديته. كما أن سلطة الفكرة المادية المرتبطة بالمال تضغط بشدة على نمط المسلسل الخليجي، وهو أمر مقبول نوعاً ما نظراً لثراء المجتمع، لكن الأمر المرفوض قطعاً هو تصوير المجتمع الخليجي على أنه كومة من المال فقط لا أكثر! وتحجيم واختزال قضاياه الاجتماعية وحصرها في هذا الجانب المضلل، وجعله حجر الزاوية الرئيسي لحياة الإنسان الخليجي بشكل عام، وهذا مأزق خطير لم تستطع الدراما الخليجية التخلص من استبداده أيضاً، فهناك مجتمعات عالمية أخرى ثرية لم تقتصر همومها على هذا النحو البدائي. وبرأيي فإن الدراما الخليجية أخفقت ولا تزال تُخفق في تقديم الوجه الحقيقي لقضايا مجتمعها، ورهنت نفسها ضمن قالب وحيد لم تستطع كسر رتابة نمطه وسلوكه إلى الآن.
وليس صحيحاً التحجج بقلة الخبرة وقصر عمر التجربة الدرامية الخليجية، فقد أصبح العالم قرية صغيرة، والحصول على المعلومة لم يعد معضلة، فيما تنوعت أساليب التدريب المهنية الفنية ومدارسها، إضافةً إلى وفرة المواهب والقامات الفنية الخليجية. وطالما بقيت الدراما الخليجية تسير على هذا المنوال المتهالك فكرياً، فإنها بشكلها الحالي تشكل خطراً حقيقياً على عقلية الإنسان الخليجي وبيئة بنيته الاجتماعية، مما يعني تعقيد أسلوب حياة أجياله أكثر من غيره حاضراً ومستقبلاً.