أولاً: نظرية السببية المباشرة: وترى هذه النظرية أن مسؤولية الجاني لا تكون متحققة إلا إذا كان فعله متصلاً بالنتيجة اتصالاً مباشراً، أما إذا تدخلت بين فعله والنتيجة أفعال أو عوامل أخرى، كخطأ الطبيب، أو حادث اصطدام عربة الإسعاف أثناء نقل المجني عليه إلى المستشفى، أو مرض سابق أصيب به، فلا يسأل عن النتيجة النهائية التي هي موت المجني عليه، وإنما يسأل فقط عن النتيجة التي تولدت عن فعله مباشرة، كالجرح البسيط، أو العاهة الدائمة، أو ما شابه ذلك.
ثانياً: نظرية السبب الأقوى: يكون الجاني حسب هذه النظرية مسؤولاً عن النتيجة، إذا كان فعله هو السبب الأقوى بين الأفعال الأخرى التي أسهمت في إحداث النتيجة، أو بعبارة أخرى، إذا كان فعله هو السبب الأساسي، وكانت الأفعال الأخرى مجرد عوامل.
ثالثاً: نظرية تعادل الأسباب: وهذه النظرية هي أوسع النظريات التي عالجت مشكلة السببية وهي ترى أن جميع الأفعال التي تتدخل في إحداث النتيجة الجرمية متعادلة أو متساوية، وبالتالي تكون سبباً في حدوثها، بصرف النظر عن مقدار مساهمة كل واحد منها وأهميته في إحداث هذه النتيجة. فإذا افترضنا أن شخصا وضع سما في طعام المجني عليه، وكان هذا السم غير كاف لإحداث الوفاة، ولكن المجني عليه لم يلق العناية الكافية من الطبيب، فساءت حالته الصحية، وطال أمد علاجه، إلى أن شب حريق في مستشفى أودى بحياته، فإن الجاني في هذه الحالة يعد مسؤولا عن الوفاة.
رابعاً: نظرية السببية الملائمة: وهي تقوم بمسؤولية الجاني عن النتيجة التي تترتب على فعله عادة بصورة مباشرة، وبمسؤوليته فوق ذلك، عن نتائج فعله، إذا كانت هذه النتائج مألوفة بالنسبة للظروف والعوامل التي وقع فيها الفعل. فإذا أطلق الجاني النار على المجني عليه فأصابه بجراح، وأهمل الطبيب إهمالاً يسيرًا في علاجه، فازدادت جسامة إصابته وتوفي على أثر ذلك، عد الجاني مسؤولا عن الوفاة، لأن تقصير الطبيب وخطأه اليسير، من الأمور المألوفة في مثل هذه الحالة. أما إذا شب حريق في المستشفى أثناء وجود المجني عليه فيه فاحترق ومات، فلا يعد الجاني مسؤولا عن الوفاة، لأن حريق المستشفى من العوامل الشاذة وغير المألوفة في ظروف فعل إطلاق النار.
والرابطة السببية في النظـام اللاتينــي: فإن موقف القضاء الفرنسي من ضابط الرابطة السببية، فإنه لم يأخذ بالرابطة السببية المباشرة ففي المادتين 319 و 320 من قانون العقوبات تعاقب كل من تسبب في قتل أو إصابة خطأ، فهما لا يستلزمان أن يكون هذا السبب مباشراً. ويرجع جانب من الفقه الفرنسي في غالبية القضاء إما إلى نظرية السببية الملائمة في قليل من الحالات أو إلى نظرية تعادل الأسباب في غالبية الأحوال. فبعض القضاء يجري تفسيره إلى نظرية السببية الملائمة، والواقع لا يمكن التعويل على هذه الأحكام وما شابها للقول إن جانباً من القضاء الفرنسي أخذ بمعيار السببية الملائمة لسببين:
هذه الأحكام غير حاسمة في الدلالة على الأخذ بهذا المعيار إذ يمكن تفسيرها أيضاً وفقاً لنظرية تعادل الأسباب.
الأحكام التي يمكن القطع بناء عليها بالأخذ بمعيار السببية الملائمة هي الأحكام التي تنفي علاقة السببية استناداً إلى اعتبار فعل المتهم لا يؤدي إلى النتيجة التي وقعت بحسب المجرى العادي لأمور أو استناداً إلى توافر عامل شاذ يقطع علاقة السببية.
فالواقع أن محكمة النقض الفرنسية تتجه بوجه عام إلى قبول نظرية تعادل الأسباب، أيضاً قبل قضاء النقض في فرنسا أن يسأل جميع مرتكبي الخطأ عن النتيجة في مجموعها سواء ارتبط خطؤهم بهذه النتيجة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن ناحية أخرى يلاحظ الفقه الفرنسي أن نظرية تعادل الأسباب لن تكون كافية لتفسير بعض قضاء النقض وقضاء الموضوع الذي يذهب إلى قيام علاقة السببية بين عدم الاحتياط والإهمال وعدم مراعاة القوانين واللوائح والنتيجة التي تقع بالرغم من عدم إمكان وصف الخطأ في الحالات التي تناولها هذا القضاء بأنه شرط لا تقع النتيجة من دونه.
ويخلص الفقه من تحليله لأحكام القضاء الجنائي في ما يتعلق بضابط السببية على النحو المتقدم يعول على الخطأ أكثر تعويله على السببية الموضوعية، فمنذ أن يبدو الخطأ بين العوامل السابقة على الضرر يحمله القضاء مسؤولية النتيجة شريطة أن يؤدي هذا الخطأ دوراً ما في سلسلة الأسباب المؤدية إلى هذه النتيجة، أما إذا كان الضرر لم يؤد أي دور في إحداث النتيجة فإن تبرئة المتهم تكون واجبة.
أما موقف المشرع المصري فقد أخذ بنظرية السبب الملائم السالف ذكرها، حيث إن من بعض التطبيقات التي تدل على ميل المشرع المصري إلى الأخذ بهذه النظرية، ونرى أنه في أحد أحكام محكمة النقض المصرية قد قضت في حكم لها "بأن الجاني في جريمة الضرب أو إحداث جرح عمداً يكون مسؤولاً عن جميع النتائج المحتمل حصولها نتيجة سلوكه الإجرامي ولو كانت عن طريق غير مباشر ما لم تتداخل عوامل أجنبية غير مألوفة تقطع رابطة السببية بين فعله والنتيجة، وإن مرض المجني عليه فإنما هو من الأمور الثانوية التي لا تقطع هذه الرابطة".
أما الرابطة السببية في النظام الأنجلوسكسوني: فقد أخذ بكون السببية جزءاً من النشاط الإنساني، فهو يرى أن محرك السببية بالمعنى الخاص هو الإنسان، الذي يعني أن النتيجة المعاقب عليها ترتبط بنشاط الإنسان المادي والمعنوي. ويرى النظام الأنجلوسكسوني أن السببية فكرة قانونية، فالنشاط لكي يعد سببا قانونيا حتى يحدث الضرر أو النتيجة الإجرامية لا بد أن يتضمن عنصرين وهما (مادي- وغائي)، ويقصد بالعنصر المادي بأنه يجب أن يكون السبب شرطاً ضرورياً وجوهرياً في إحداث الضرر الجنائي، أما عنصر الغائي فلا بد من توافره حتى يكون النشاط السبب في إحداث النتيجة الإجرامية.
هذا ويرى الرأي السائد في النظام الأنجلوسكسوني، أن العلاقة السببية تنقطع وذلك على سبيل المثال، أنه إذا كانت الإصابة التي أحدثها الجاني بالمجني عليه ليست هي السبب في إحداث الوفاة، وإنما تبين أن العلاج الطبي هو الذي أحدث النتيجة (الوفاة)، فهنا يكون فعل الجاني ليس هو السبب المباشر في إحداث النتيجة وليس من اللازم مساءلة الجاني، أما إذا أخطأ الطبيب في علاج المجني عليه، وكان خطؤه بسيطًا وعلى الرغم من ذلك أحدث الوفاة فهنا لا تنقطع العلاقة السببية بين سلوك الجاني والنتيجة.
أما الرابطة السببية في الشريعة الإسلامية: حيث نجد الفقهاء يشترطون أن يكون بين الفعل المرتكب والموت الذي حدث رابطة سببية، ولا يقطع هذه الرابطة أن تشترك بعض العوامل الأخرى في إحداث النتيجة، فالشريعة الإسلامية تجعل الشخص مسؤولاً عن النتيجة متى كان من الممكن إسنادها إلى الفعل الذي صدر منه، فتكون الشريعة الإسلامية في ذلك أقرب إلى ما يجري على العمل في القوانين الوضعية. ويمكننا أن نستخلص مما سبق أن الشريعة الإسلامية تشترط لمسؤولية الجاني عن القتل أن يكون بين فعله والموت رابطة السببية وهي الرابط الذي يربط الفعل الحاصل من الجاني بالنتيجة التي يسأل عنها، ولا يشترط أن يكون فعل الجاني هو السبب الوحيد في إحداث الموت يكفي أن يكون بين فعل الجاني سبب فعال في إحداثه ويستوي في ذلك أن يكون فعل الجاني هو سبب الموت وحده أم إن الموت نشأ عن فعل الجاني بالذات وعن أسباب أخرى تولدت عن هذا الفعل.