إيران قد تلعب دورا مهما لإنهاء إراقة الدماء في سورية، ووضع نهاية للطريق المسدود للمباحثات النووية مع الدول الغربية. لكن آية الله خامنئي يسعى عوضا عن ذلك لتقليد سلفه آية الله الخميني في محاربة الامبريالية وتصدير الثورة إلى دول الجوار، مع أنه لم يتمتع خلال السنوات العشرين التي قضاها في مركزه بأن يحقق نفس السلطة والنفوذ اللذين تمتع بهما آية الله الخميني.
آية الله خميني اتخذ بضعة قرارات مهمة رئيسية خلال فترة وجوده في السلطة بوصفه مرشدا أعلى، وكانت جميعها في إطار المصالح القومية لإيران. أزمة الرهائن تم حلها بطريقة سمحت للنظام بالادعاء بأنه حقق انتصارا. 52 دبلوماسيا أمريكيا احتجزوا في طهران لمدة 444 يوما وتم تسليمهم رسميا إلى الولايات المتحدة بعد يوم واحد من أداء رونالد ريجان قسم توليه الرئاسة في يناير 1981. كان واضحا للخميني ومستشاريه أن إيران قد تتعرض لهجوم عسكري أمريكي بعد تولي الرئيس الأمريكي الجديد لمنصبه. تراجع الإيرانيون لأن إنقاذ إيران كان ضروريا في تلك المرحلة أكثر من أي شيء آخر، فعقدوا صفقة مع رونالد ريجان، وبهذا أنقذ النظام الإيراني نفسه وأطلق سراح الرهائن الأمريكيين ولم يجرؤ أحد على السؤال عما ربحته إيران من كل هذه العملية. ومع أن البعض لم تعجبه نهاية الأزمة، إلا أن الخميني كانت له الكلمة الأخيرة.
وكذلك كانت الطريقة التي أنهت بها إيران حربها الطويلة مع العراق مثالا آخر على تغيير القيادة الإيرانية لرأيها عندما يصلون إلى طريق مسدود. إيران قبلت قرار مجلس الأمن 598 عندما وجد قادتها أن استمرار الحرب مع العراق كان مستحيلا. عند ذلك قال الخميني عبارته الشهيرة إن قبوله لقرار مجلس الأمن كان مثل "شرب كوب من السم". وبالرغم من الإحراج أمام الشعب للخميني الذي كان يصر دوما على أن بلاده ستستمر في القتال إلى أن تصل إلى كربلاء، قرر فجأة أن يقبل إنهاء الحرب التي استمرت 8 سنوات.
وفيما يراقب العالم الآن صور القتلى المدنيين في سورية الذين سقطوا على أيدي قوات النظام، ورغم العلاقات القوية بين طهران ودمشق، يجد خامنئي صعوبة في الاستمرار في دعم نظام بشار الأسد دون قيد أو شرط. الشعب الإيراني لديه متاعبه الخاصة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، وهم بالتأكيد لن يسعدهم رؤية حكومتهم تدعم نظاما يقتل مئات الناس من شعبه يوميا.
هل يستطيع خامنئي أن يفهم أن شعبه غاضب بسبب العقوبات ضد إيران وبسبب دعم الحكومة الإيرانية لنظام الأسد؟ هل يستطيع خامنئي أن يتذكر ما فعله الخميني لإنقاذ الجمهورية الإسلامية؟
إذا كنت أنا –كطفلة- أتذكر اليوم الذي شرب فيه الخميني كأس السم فمن المؤكد أن آية الله خامنئي يتذكر ذلك أيضا. إذا كان التضخم وتكاليف المعيشة في إيران يرتفعان بشكل سريع، فإنه ليس بحاجة أن يخبره أحد بذلك. لماذا إذاً لا يقوم بعمل شيء ما؟ لأنه لا يملك نفس السلطة والنفوذ مثل الخميني.
لم نكن نعرف الكثير عن آية الله خامنئي، لكن دوره في اتخاذ القرارات أصبح واضحا منذ الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في صيف 2009. الرئيس أحمدي نجاد أجبر المرشد الأعلى على الخروج من مخبئه ويظهر أمام الناس. لو كان خامنئي قريبا من الناس كما كان الخميني لكان من السهل عليه قبول شروط الدول الغربية وأوقف تخصيب اليورانيوم كي يحمي بلاده ويحسن الاقتصاد. كما أنه كان سيستطيع التوقف عن دعم نظام الأسد في سورية.
إيران اعتمدت على قوى غير مضمونة مثل حزب الله في لبنان ونظام الأسد في سورية وحماس في غزة، وذلك كي تدعمها هذه القوى في حال تعرضت لهجوم من إسرائيل أو الولايات المتحدة. حماس تلقت دعما عسكريا وماديا كبيرا من إيران، ومع ذلك صرح إسماعيل هنية مؤخرا أن حماس لن تتدخل في حال تعرض إيران لهجوم من إسرائيل. وبالنسبة لسورية، فإن من شبه المؤكد أن نظام الأسد لن يصمد فترة طويلة وأنه سيسقط في النهاية، فكيف ستتعامل إيران مع الحكومة الجديدة بعد أن كانت أقرب مؤيدي نظام الأسد على مدى سنوات طويلة؟ عاجلا أو آجلا، سيجد آية الله خامنئي الحل الذي يبحث عنه بالنسبة لتخصيب اليورانيوم، وذلك بإجراء استفتاء شعبي. عبد الله نوري، وزير الداخلية في عهد الرئيس محمد خاتمي، هو صاحب اقتراح الاستفتاء، وذلك بحسب نص دستوري. الاستفتاء يمكن أن يعطي خامنئي فرصة لقبول تجميد البرنامج النووي، وفي نفس الوقت يستطيع أن يقول إن تلك هي رغبة الرأي العام الإيراني. وبالنسبة لسورية، يبدو أن القيادة الإيرانية تفهم أن هذا النظام في طريقه إلى السقوط وأن من الأفضل لهم قبول هذا الانتقال والإبقاء على علاقات طيبة مع الشعب السوري. آخر زيارة قام بها المبعوث الدولي-العربي كوفي عنان إلى إيران والعراق تبرهن على هذا الادعاء. السيد عنان قال مؤخرا إن إيران والعراق يدعمان خطته للسلام. وبحسب وكالة رويترز للأنباء، أكد السيد عنان أن إيران تؤيد انتقال السلطة السياسية للحكومة السورية. إذا بقيت إيران صادقة مع ما ادعوا به أمام عنان، فإننا نشهد تحولا هاما ورئيسيا في الاتجاهات في إيران منذ موت الإمام الخميني.