ولقد عُرفت مجتمعاتنا منذ القدم بالكرم وحسن الوفادة وإكرام الضيف، وهي خصالٌ نفخر بها ونعتز، غير أن بعض مظاهر الاحتفاء بالمناسبات أخذت في أحيانٍ كثيرة تتجاوز حدود الاعتدال، حتى غدت بعض الولائم أشبه بمنافسةٍ اجتماعية غير معلنة: من يذبح أكثر؟ ومن يضع على مائدته ما يفوق حاجة الحاضرين؟ ومن يقيم وليمةً يتحدث عنها الناس بعد انفضاضها؟!
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نخشى مواجهته:
أين ينتهي الكرم، وأين يبدأ الإسراف؟ ليس كل ما كثرَ كرمًا، ولا كل ما غلا ثمنه دليلًا على سخاء صاحبه.
فقد يضع الإنسان على مائدته ما يكفي عشرات البيوت، ثم لا يأكل الضيوف إلا جزءًا يسيرًا منه، وينتهي الباقي إلى الهدر. وفي المقابل، قد يقيم آخر وليمةً متواضعة في ظاهرها، لكنها عامرةٌ بحفاوة الاستقبال، وصدق المشاعر، وحسن الضيافة، فيخرج ضيفه منها وهو يحمل في قلبه ذكرى أجمل من كل مظاهر البذخ. فالكرم الحقيقي لا يُقاس بما تراه العين، وإنما بما تلمسه النفس!
والمؤسف أن بعض الناس أصبحوا أسرى لمقاييس اجتماعية صنعوها بأنفسهم؛ يخشون أن يُقال: «قصّر»، فيبالغ، ويخشى آخر أن تكون وليمةُ مناسبةٍ أقل من وليمة مناسبةٍ سابقة، فيزيد عليها، حتى تتحول المنافسة إلى سباقٍ لا يعرف أحدٌ خط نهايته.
وقد يُرهق المرء نفسه ماليًا، وربما يستدين، لا لحاجةٍ حقيقية، وإنما خشيةَ حديث الناس! وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد وليمة؛ إنها ثقافة تحتاج إلى مراجعة. فالنعمة ليست مجرد طعامٍ يوضع على المائدة؛ إنها رزقٌ يستحق الشكر، وحفظها من الهدر من تمام شكرها!
وما أقسى أن نرى الطعام يُرمى في الحاويات، في الوقت الذي تبحث فيه أسرٌ متعففة عن قوت يومها، أو يقضي محتاجٌ ليلته وهو يتمنى ما يسد به جوعه!
ليس المطلوب أن نتخلى عن كرمنا، ولا أن نحول مناسباتنا إلى موائد فقيرة المشهد؛ وإنما المطلوب أن نعيد للكرم ميزانه الجميل:
سخاءٌ بلا إسراف، وضيافةٌ بلا تكلف، وفرحٌ بلا مباهاة!
أن تُكرم ضيفك بما يليق، لا بما يُرهقك.. وأن تُحسن وفادته، لا أن تستعرض أمامه قدرتك.. وأن تجعل مائدتك عنوانًا للمحبة، لا ميدانًا للمنافسة. وأن تحفظ النعمة من أن يكون مصيرها سلة المهملات!
فما قيمة وليمةٍ تُدهش الحاضرين ساعة، ثم تُبكي الضمير حين تُرى بقاياها مهدرة؟
وما أجمل أن يكون صاحب المناسبة كريمًا في عطائه، حكيمًا في إنفاقه، راشدًا في تقديره؛ فلا يبخل حين ينبغي الكرم، ولا يسرف حين يكون الاعتدال أولى!
أجمل ما يمكن أن تورثه المناسبات ليس صور الموائد، ولا أرقام ما أُنفق عليها، وإنما أثرٌ طيب في النفوس، وصلةٌ بين القلوب، وذكرى جميلة لا يفسدها الإسراف ولا يثقلها التكلف.
فالكرم شرف.. والسخاء مروءة.. والاعتدال حكمة.. وحفظ النعمة وفاء.. ولعل أجمل ما نحتاج أن نتذكره جميعًا:
ليس الكريم من قال الناس: ما أكثر ما قدّم! بل الكريم من قال الناس عنه: «ما أطيب قلبه، وما أجمل حضوره، وما أكرم أثره».
فليكن كرمنا مُطعمًا للقلوب قبل البطون، وحافظًا للنعمة قبل أن تكون مظهرًا لها. فالكرم إذا جاوز حدَّه انقلب إسرافًا، والإسراف مهما تزيّن لا يصبح كرمًا.