جمعت لكم حتى اللحظة ملفاً واسعاً من إعلانات الهيئة العليا لمكافحة الفساد، وفي جيبي أيضاً ما ينوء به جوالي من رسائلها القصيرة المتتالية. وأنا لا اعتراض لي على مثل هذا المسار. كل ما أخشاه أن تستمرئ الهيئة الموقرة هذه الوسيلة ثم تتحول مع الزمن إلى مجرد آلة للوعظ والإرشاد، ثم تستمرئ الوسيلة نفسها أكثر من ذلك حتى نجدها ذات يوم تجاور بمكاتبها في الإدارات الحكومية ذات مكاتب جماعات التوعية الإسلامية المنتشرة في دوائرنا الحكومية المختلفة.

وأرجو ألا يفهم هواة القراءة بالمقلوب، أو بالعيون الرمادية الرمداء أنني ضد الوعظ أو ضد إعلانات القيم الأخلاقية. أنا في موقفي الواضح المعلن أكتب في رابعة النهار أن الذين نستهدفهم بإعلانات الإرشاد وخطب المواعظ ليسوا جهلة حتى نوقظ فيهم ضمائر الوعي بحرمة الفساد. أنا لا أعتقد مثلاً أن بيننا واحداً سيذهب لأداء الصلاة لأنه سمع ميكرفون الهيئة يدعوه إليها عند الإشارة. هذه طرق تقليدية لم نمتحن جدواها للحظة واحدة. الوعظ والإرشاد وسائط أخلاقية ولكنها في الصحيح ليست بأكثر من رشة ماء بارد قبل سخونة القانون. نحن نصحنا شبابنا من أخطار المرور الخاطئ أربعين سنة متتالية وفي العام الواحد والأربعين اكتشفنا أن حوادث السير تقتل بيننا ضعف ضحايا أخطر مرضين مجتمعين على القائمة. نحن حاربنا المخدرات بالمواعظ والندوات ثم اكتشفنا العام الماضي أننا، وبكل صراحة، ثلث سوق العالم بأسره من حبوب الكبتاجون. وضعنا نظام – ساهر – وكما يقال خفت الزحمة على طوارئ المستشفيات من الحوادث بمقدار الربع الكامل.. هنا لا أريد من هيئة مكافحة الفساد أن تعود إلى السطر الأول من المربع الأول ومعنا كل هذه التجربة، ألا تكون دكاناً لتوزيع الإعلانات بحرمة الفساد أو مكتباً ملحقاً للتوجيه والإرشاد على يسار المدخل العام لكل إدارة حكومية. هي بهذه الطريقة تحتاج إلى خبراء لغة يكتبون لها سبك الإعلان لا بحاجة لخبراء في القانون والكشف والتحقيق.