في مكانٍ ما في كولومبيا، أو فرنسا، أو بلدة صغيرة في كينيا، يجلس أحدهم منغمسًا في دراما سعودية عن النجاة، أو يتابع قصة أردنية عن طالبات يخططن للانتقام من المتنمّرين، أو يضحك مع فيلم كويتي يتحوّل فيه شهر العسل إلى فوضى، وبينما تختلف اللغات والثقافات، تظل القصة المميزة لغةً يفهمها الجميع في أي بقعة في العالم. وأدركت “نتفليكس” مبكرًا أن الجمهور لا يختار القصص بناءً على مصدرها، بل الرهان الحقيقي يكون على قوة القصة والأثر الذي تتركه فيه. ولهذا، لم تعد الأعمال الفنية العربية حكرًا على جمهورها المحلي، بل أصبح السرد القصصي العربي جزءًا من المشاهدة اليومية المألوفة لدى الملايين حول العالم، الذين لم يكونوا حتى وقتٍ قريب ليصادفوه أصلًا.
لا تحتاج القصة القوية إلى التخلي عن هويتها لتعبر الحدود. فكل حكاية تُروى بصدق وتعكس واقعها في العالم العربي قادرة على أن تجد جمهورها في مكان آخر من العالم. واليوم، لم يعد ذلك مجرد رأي، بل حقيقة تؤكدها الأرقام ونسب المشاهدات. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك، الفيلم الكوميدي الرومانسي العربي “شهر زي العسل”، بطولة نور الغندور ومحمود بوشهري، الذي حقق أكثر من 40 مليون مشاهدة منذ عرضه في أبريل 2024، وحلّ ضمن قائمة أفضل 10 أفلام عالميًا في أكثر من 70 دولة، من بينها كندا والسويد ونيجيريا، وأصبح بذلك أول فيلم عربي يتصدر قائمة “نتفليكس” الأسبوعية للأفلام غير الناطقة بالإنجليزية. ويعكس هذا النجاح التزام “نتفليكس” المستمر بدعم الأعمال الإبداعية في العالم العربي، وإيمانها بأن المحتوى الأصيل محليًا هو ما يجعله محبوبًا عالميًا.
ومن الأمثلة اللافتة أيضًا نجاح المسلسل الأردني “مدرسة الروابي للبنات”، الذي حقق شهرة عالمية واسعة، حيث عُرض في 190 دولة، وتُرجم إلى أكثر من 30 لغة، مُحققًا 18.8 مليون مشاهدة عبر موسميه، وتربّع على قائمة أفضل 10 مسلسلات في أكثر من 40 دولة حول العالم. كما واصل المسلسل المصري “البحث عن علا” هذا النجاح العالمي المتنامي للأعمال العربية، محققًا أكثر من 12 مليون مشاهدة عبر موسميه، ومُرسخًا حضوره على الساحة العالمية بدخوله قائمة أفضل 10 مسلسلات غير ناطقة بالإنجليزية على “نتفليكس”.
وفي دليل جديد على أن القصة ذات الطابع المحلي يمكن أن تأسر المشاهدين في أنحاء العالم عندما تُروى بصدق وتحافظ على أصالتها، حقق الفيلم السعودي “جرس إنذار”، المستوحى من أحداث حقيقية ومأساوية، نجاحًا لافتًا منذ عرضه في يناير 2024، متجاوزًا 10 ملايين مشاهدة، ودخل القائمة الأسبوعية لأفضل 10 أفلام في أكثر من 30 دولة. وقد مهّد نجاح “جرس إنذار” الطريق أمام نجاح جزئه الثاني، “جرس إنذار: الحفرة”، الذي وجد قاعدة جماهيرية تنتظره بالفعل، فلم يمضِ سوى أسبوعين على عرضه في يناير 2026 حتى حقق 4 ملايين مشاهدة، وفرض حضوره ضمن القائمة العالمية لأفضل 10 أفلام غير ناطقة بالإنجليزية. وهذا الإقبال على الأجزاء المتتالية يؤكد أن نجاح القصص العربية ليس عابرًا وليس وليد الصدفة. فجمهورها عاد إليها، وأخبر أصدقاءه بها، لتتسع دائرة جمهورها وتواصل رحلتها عبر الحدود، محتفظة بهويتها الخاصة وطابعها المميز.
ولا يبدأ نجاح الأعمال العربية دائمًا بالطريقة التقليدية، فقد تشق طريقها إلى الجمهور أحيانًا من باب مختلف تمامًا. وهذا ما حدث مع “الخلّاط”، الذي أطلقه الاستوديو السعودي تلفاز11 عام 2017، واستطاع أن يحصد أكثر من 1.5 مليار مشاهدة عبر يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل انتقاله لاحقًا إلى نتفليكس. وحين أعادت “نتفليكس” تقديم “الخلّاط+” في فيلم يجمع بين التشويق والكوميديا الساخرة، كان النجاح فوريًا، حيث حافظ الفيلم على مركزه ضمن قوائم أفضل 10 أعمال في العالم العربي لأسبوعين متتاليين. ولم يتوقف نجاح هذا العمل، الذي يتمحور حول القصص المتعددة، عند حدود المملكة العربية السعودية، بل امتد إلى خارجها كدليل على مصداقية الإبداع المحلي، مؤكدًا قدرته على الوصول إلى جماهير جديدة خارج سوقه الأصلي. وتؤكد عودة “الخلّاط+” كمسلسل في عام 2026 قوة هذا النموذج؛ فالقصص التي تنطلق من بيئتها المحلية، وتملك المرونة لتجربة أنماط فنية متنوعة، لديها قاعدة جماهيرية وفيّة متنامية في أسواق مختلفة حول العالم.
وإذا كان المحتوى الدرامي قد مهّد الطريق، فإن المحتوى غير الدرامي العربي يسير بثقة على النهج ذاته. فقد حصد برنامج “الحب أعمى، حبيبي”، النسخة العربية من البرنامج العالمي، أكثر من 7 ملايين مشاهدة منذ إطلاقه وحتى يونيو 2026، ودخل قائمة أفضل 10 أعمال في أكثر من 25 دولة، وقضى أسبوعين متتاليين ضمن العشرة الأوائل عالميًا للأعمال غير الناطقة بالإنجليزية. ولم تكن أرقام المشاهدة وحدها مقياس نجاح “الحب أعمى، حبيبي”. فالبرنامج، الذي عكس تنوع العالم العربي وجمع ثقافاته المختلفة على شاشة واحدة، صنع سابقة جديدة كأول نسخة دولية من برنامج “الحب أعمى” تصل إلى ترشيحات جوائز الإيمي الدولية، ضمن فئة تلفزيون الواقع، ليضيف إلى نجاحه الجماهيري اعترافًا من واحدة من أبرز المؤسسات العالمية في صناعة التلفزيون. أما “دبي Bling”، فقد رسّخ مكانته كأحد أبرز الأعمال من هذا النوع، بعدما أمضى سبعة أسابيع ضمن القائمة العالمية لأفضل 10 أعمال غير ناطقة بالإنجليزية، ودخل قوائم أفضل 10 أعمال في أكثر من 50 دولة، فيما حققت مواسمه الثلاثة أكثر من 25 مليون مشاهدة بين عام 2023 ويونيو 2026. كما حافظ موسمه الثالث على مكانه ضمن قائمة أفضل 10 أعمال في الإمارات لأربعة أسابيع متتالية، وأثار من التفاعل ما جعل الحديث عن موسم رابع يبدأ على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن يفرغ الجمهور حتى من مشاهدة الموسم الثالث. وتجاوز ارتباط الجمهور بـ”دبي Bling” حدود الشاشة؛ فالمشاهدون حول العالم باتوا يناقشون شخصياته، ويتابعون إطلالاتهم، ويحللون علاقاتهم وتفاعلاتهم. وهكذا نشأت حول البرنامج حالة جماهيرية حقيقية وعفوية، لا يمكن التخطيط لها أو صناعتها بحملة تسويقية.
وما يجمع كل هذه القصص، على اختلاف أنواعها وأشكالها، هو نوع خاص من الثقة: الثقة في قوة السرد المحلي. أن تحكي قصتك بصوتك وهويتك، وأن تثق بأنها، بصدقها وأصالتها، سوف تجذب العالم إليها، وسيتفاعل معها. وقد وجدت هذه الثقة لحظتها بفضل جمهور اعتاد على تجاوز حواجز اللغة والاختلافات الثقافية، لأنه يعلم أن القصة الجيدة لا يُشترط أن تتحدث لغته أو تأتي من ثقافته. وكان للدراما التركية والكورية، بما حققته من نجاح عالمي، دور بارز في ترسيخ هذه النظرة؛ فقد جعلت الترجمة والثقافات غير المألوفة جزءًا من متعة الاكتشاف، وحوّلت الترجمة والبيئات غير المألوفة من حاجز إلى نافذة تطل على حكايات وعوالم جديدة. وقد ورث السرد القصصي العربي هذا الانفتاح الذي منح القصص العربية فرصة أوسع لتثبت حضورها على الساحة العالمية. فهي اليوم لم تعد تسعى إلى دخول عالم الترفيه العالمي، بل أصبحت جزءًا منه بالفعل، تواصل بناء جمهور متنامٍ وترسيخ مكانتها، في حضور لا نية له بالتراجع.