رغم محاولة البعض فصل عصر المعلومات عن عصر التكنولوجيا إلا أنهما في رأيي متشابكان. وأشبه هذا العصر بمعلوماته المتدفقة بغزارة وبدون تحكم من أي جهة بتشبيه بسيط وهو مواد البناء المتناثرة في الأسواق.. فلو جمعنا كل هذه المواد وأحضرناها وراكمناها فإنها لا يمكن أن تقيم لنا بناء مريحاً جميلاً فيه كل مواصفات البناء السليمة.. فقط فئة قليلة منا تستطيع الاختيار بدقة ومعرفة ومهارة فائقة من الكم الهائل من هذه المواد لاستخدامها في إخراج بناء شامخ مريح وجميل.
كثير منا معلوماته غزيرة ويراكم كماً هائلاً من المعارف لكنه لا يعرف أن هذا شيء واستخدام بعض هذه المعلومات وتلك المعارف في جانب محدد شيء آخر.
أردت من هذه المقدمة أن أدلف إلى قضية هامة وهي أن هناك الكثير من المنظرين والمدربين الذين يظنون أنهم بالكم الهائل من المعارف والمعلومات التي راكموها يستطيعون خدمة المحتاجين للتدريب. والصحيح أن كل متدرب له احتياجات تتطلب معلومات ومعارف محددة، ولابد من أن تمتلك المهارة والمعرفة لتحديدها وتقديمها بطريقتين، أولاهما ما يسمى "تحليل الاحتياج" وليس هنا موضوع الحديث عنه، والأخرى اختيار وتحديد المعلومات والمعارف التي يحتاجها المتدرب تحديداً.
قليلة هي الكتب التي لها قيمة علمية تناقش موضوع التميز في العمل الوظيفي ومواصفات الموظف المتميز والتعامل مع التوافق المعلوماتي والمعرفي، ومن ضمن هذه الكتب كتاب اسمه: “Linchpin” وهو اسم استعاري .. معناه اللغوي "مسمار العجلة" استعير ليعبر عن الموظف الذي يشكل في أهميته وقيمته في المؤسسة "مسمار العجلة" الذي يقوي ارتباط العجلة بمحركات السيارة لضمان سيرها بسلام ونجاح.
- مؤلف الكتاب "سيث جودن" له باع طويل ومؤلفات عديدة تتربع على قوائم أفضل الكتب مبيعاً.
ويعرض الكتاب ثلاثة مواضيع هي:
Art - فن أداء العمل.
Resistance - المقاومة.
Shipping - تبني المبادرات وتنفيذها.
يمضي الكتاب في عرض النهج التقليدي الذي تتنباه الموسسات والإدارات المختلفة بالتمسك بوجود فريقين فقط فيها: فريق الإدارة/ فريق العاملين. مفتقدة فريقا آخر لا يمكن نجاح هذه المؤسسات وتلك الإدارة بدونه.
إنه فريق "مسمار العجلة"، ذلك الموظف الأساسي الذي لا يمكن استبداله أو الاستغناء عنه، تماماً مثل "مسمار العجلة" الذي لا يمكن للمركبة أن تسير بدونه.. وتخر ساقطة بدون حراك.. قابعة في مكانها لا تصل إلى أي مكان إذا فقدته.
هذا الموظف يتدفق إبداعاً ويقدم الجديد بصورة مستمرة.. ويؤمن أن وظيفته تكمن فقط في تنفيذ (لا الحديث عن التجديد ولا تقديم تصور جديد) أمور جديدة يمكن رؤيتها ولمس أثرها على أرض الواقع لتحدث التغيير المطلوب الذي يلمسه كل من له علاقة بالعمل الذي يؤديه.
"فريق مسمار العجلة" فريق يمتلك الأدوات التي تصنع الإنتاج.. فريق يصنع الفرق.. فريق يقود.. فريق لديه مهارات الاتصال الناجحة والذكاء الاجتماعي.. فريق "مسمار العجلة" هو فريق يتأقلم مع العاملين ويعمل معهم.. فريق يحافظ على روح العمل الجماعي. لاحظوا كلمة "يحافظ"، لأن لها مدلولات كبيرة وكثيرة.
مثل هذا الموظف نبحث عنه، لأنه لا يمكن استبداله، فالحاجة ماسة إلى رؤيته ورأيه وإنتاجه.
وقلنا إن الكتاب يتحدث عن ثلاثة مواضيع هامة، أولها الفنون: وكلمة فنون( Art ) تتكرر خلال الكتاب كله، لأن المؤلف يظن "ونحن يجب أن نظن مثله" أننا جميعا يجب أن نكون فنانين. يخطئ من يظن أن ساحة العمل ومكانه هي فقط لعاملين ُيملى عليهم نوعٌ خاصٌ من العمل، وفي آخر الشهر يقبضون مقابله. هذا هو المبدأ المسؤول عن فشل المؤسسات والإدارات.
العمل فن، والفنون ليست خاصة بالشعراء والرسامين.. أي عمل فيه إبداع وحماسة، وتبرز فيه شخصية صاحبه هو فن.
أما المقاومة فيعرفها المؤلف بإنها الخوف من نتائج فكرة جديدة يريد الفرد إخراجها. ويؤكد أن مفهوم المقاومة بغيض لما ينتج عن ذلك من تسويف وتبرير ومماطلة. وباختصار المقاومة هي أن يكون هناك شيء في عقلك يقول لك لا تقدم على تنفيذ مبادرة كنت تنوي أن تقوم بها أو مشروع كنت تنوي تنفيذه. مفهوم المقاومة في عقلك يريدك أن تقنع بالوضع القائم. مفهوم المقاومة في عقلك يريدك أن تقضي معظم وقتك في الاستمتاع بما لديك ولا تقدم الجديد. كل ذلك من أجل إقناعك بعدم اتخاذ مبادرات جديدة تطور العمل وترتقي به. ببساطة لأنك لا تريد المبادرات التي قد تجعلك في موقع المسؤولية والمحاسبة، ولهذا فأنت تشغل نفسك بالبريد القادم وإثارة قضايا بسيطة وافتعال الغضب للالتهاء والعمل على إيجاد حلول لتلك القضايا البسيطة ليبقى كل شيء مكانه دون ارتقاء أو تطوير. والحل الذي يقدمه جودن لمشكلة المقاومة هو أنه يقدم نصيحة لك: إذا كنت تفكر فقط في كم المدة التي تقضيها في عملك كمسؤول لتأخذ مرتبك آخر الشهر كقضية أساسية فإنك لست مهماً.. وسواء بقيت أو ذهبت لن يؤثر ذلك على مؤسستك، ولهذا يجب التخلي عن هذا التفكير، فوضعك في خطر إذا لم تشكل إضافة مهمة في العمل الذي تقوم به. وينصح مثل من يتبنون مفهوم المقاومة، الذين يعتقدون أن هذا المفهوم يحد من إنجازاتهم بالتخلي عنه وأن يبدؤوا بشجاعة في الشروع في مبادرات (وهو الموضوع الثالث الذي يتناوله الكتاب) ولن يخيب ظنهم بأنفسهم.
الموضوع الثالث: المبادرات، ويعني إخراج مشروع جديد خارج مكتبك للتنفيذ مع الأخذ في الحسبان ماذا ستخرج وكيف تخرجه. ويقول جودن إنه ألف 12 كتاباً بمبدأ اتخاذ مبادرات جديدة.. ويسأل: هل أنا بهذا نوع من الأعجوبة أو المعجزة؟ ويجيب بالنفي.
كل ما هناك أنني قاومت وهزمت مفهوم "المقاومة" في عقلي وبادرت وذلك من خلال عدم التفكير بعمق في هل ما سأقوم به سيكون عملاً كاملاً ومثالياً بدون نقص أو عيب، لأن التفكير في المثالية هو الوقود الحقيقي لتغذية مفهوم "المقاومة" في عقولنا، ولهذا يجب التخلي عن هذا المفهوم. ويقترح:
- عدم تغيير الوقت المحدد للمبادرة.. وإنجازها في وقتها وبأي حال.
- وضع الوقت المحدد في لوحة الإعلانات في المؤسسة أو الإدارة.
واقترح في ثنايا الكتاب العديد من آليات العمل والخطوات لعمل ذلك مما لا تسمح المساحة للتعرض له.
يجب أن ينصب التفكير "كل التفكير" في رؤية إنجاز على أرض الواقع وليس كيف ومتى نبدأ. ويظن أن في كل إدارة أو مؤسسة أناسا هم في عداد "مسمار العجلة"، لكن مفهوم "المقاومة" يحول دون إتاحة الفرصة لهم لأخذ مبادرات.