انهيار متسارع
تعيش العملة الإيرانية تراجعا متلاحقا لم يعرف توقفا منذ سنوات، فبعدما كان الدولار يعادل نحو 65 ألف ريال قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، تخطى الدولار حاجز المليون ريال في مارس 2025، ثم واصل صعوده حتى بلغ نحو 2.2 مليون ريال عقب إعلان العقوبات الجديدة في أواخر أغسطس الماضي. وحاول البنك المركزي الإيراني احتواء هذا النزيف عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في السوق، بل وأعلن محافظه استعدادا لضخ ما يصل إلى ملياري دولار، مع تأكيده امتلاك البلاد موارد كافية من العملات الأجنبية رغم إقراره بصعوبة الظروف المعيشية.
عقوبات مركزة
جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة تحت مسمى عملية المنبوذ الاقتصادي لتطال في مرحلتها الأولى نحو 60 فردا وكيانا وسفينة مرتبطين بعائدات النفط، قبل أن تتوسع لتشمل قطاعات النفط والشحن البحري والبنوك والتكنولوجيا والذهب والطيران والأصول الرقمية، إلى جانب البرنامجين النووي والصاروخي. والأخطر أن واشنطن وسعت دائرة عقوباتها الثانوية لتهدد أي دولة أو شركة أو بنك يواصل تسهيل التعاملات مع طهران بالعزل عن النظام المالي الأمريكي.
تضخم قياسي
انعكست هذه الضغوط مباشرة على حياة الإيرانيين، حيث بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 69% في يونيو الماضي، وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 89% خلال عام، بينما قفزت أسعار الغذاء والمشروبات وحدها بنسبة 128%. وبينما ارتفعت أجور الموظفين الحكوميين بنحو 78% خلال عامين، تضاعفت أسعار سلع أساسية كالأرز والدجاج والبيض والزيت بمعدلات تفوق 300% في بعض الحالات، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية الفعلية للأجر الحكومي إلى النصف تقريبا.
مخاوف احتجاجية
تزامنت هذه الضغوط مع تراجع صادرات النفط وانكماش الناتج المحلي، ما دفع مراكز رصد إلى تسجيل مؤشرات على قلق النظام من تحول الاحتقان المعيشي إلى موجة احتجاجات جديدة. وقد عززت السلطات استعداداتها الأمنية، فيما حذر رئيس القضاء من أن أجهزة الأمن والاستخبارات في أعلى درجات الجاهزية للتعامل بحزم مع أي اضطرابات، في وقت سبق للرئيس مسعود بزشكيان أن دعا إلى مصارحة الشعب بحجم الأزمة.
يبدو أن عامل الوقت بدأ ينقلب ضد إيران في معركة الحصار حول مضيق هرمز، بعدما تبيّن أن الورقة التي راهنت عليها طهران لإجبار الولايات المتحدة على التراجع لم تحقق أهدافها، وفق تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية.
الممرات البحرية
فعندما أغلقت إيران مضيق هرمز قبل ستة أشهر، كانت تراهن على قدرتها على خنق أحد أهم الممرات النفطية في العالم، واحتجاز نحو خمس إمدادات النفط الخام العالمية، بما يؤدي إلى أزمة اقتصادية دولية تجبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إنهاء الحرب وفق شروط طهران، لكن هذه الحسابات لم تفلح. ومنذ يوليو، نجح الحصار البحري الأمريكي في منع إيران من تصدير النفط عبر الخليج، في حين تمكنت واشنطن من مساعدة دول الخليج العربي على مواصلة نقل كميات كبيرة من نفطها عبر المضيق، رغم الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقدرت شركة «تانكر تراكرز» أن نحو 5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، معظمها من خارج إيران، خرجت عبر مضيق هرمز خلال الأيام الـ28 السابقة، إضافة إلى نحو 2.5 مليون برميل عبر موانئ خليج عُمان. وتمثل هذه الكميات أكثر من 40% من تدفقات النفط التي كانت تمر بالمنطقة قبل الحرب.
قال سمير مدني، الشريك المؤسس لشركة «تانكر تراكرز»، إن «الحصار الإيراني أكثر تسرباً من الحصار الأمريكي»، مضيفاً أن الإيرانيين «غير قادرين على إغلاق المضيق بالكامل».
ورقة الضغط
وهنا تتضح الخسارة الإستراتيجية لطهران، فقد بقي مضيق هرمز ورقة ضغط مهمة نظرياً، لكن قدرة إيران على استخدامه لخنق صادرات جيرانها تراجعت تدريجياً. فإيران تواصل استهداف السفن، لكنها لم تتمكن من وقف تدفق النفط الخليجي بالدرجة التي كانت تراهن عليها.
وفي المقابل، يتزايد الضغط الاقتصادي داخل إيران. فقد تراجعت التجارة الإيرانية بنسبة تتراوح بين 25 و35%، وانخفضت قيمة الريال، وارتفع التضخم، وأصبحت أزمة الوقود أكثر شيوعاً. وكان مسؤولون إيرانيون قد قدروا عند فرض الحصار الأمريكي قدرتهم على الصمود لنحو خمسة أشهر من دون تداعيات اقتصادية كارثية، وهي المهلة التي تقترب الآن من نهايتها.
ضد النظام
ولم تؤد الأزمة الاقتصادية حتى الآن إلى انتفاضة شعبية ضد النظام، فيما تبدو القيادة الإيرانية أمام خيارين: التراجع وإعادة فتح المضيق، بما يعني فقدان أهم أوراق الضغط، أو التصعيد العسكري لمحاولة كسر الحصار. ويرى ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، أن التصعيد قد يكون الخيار الأكثر ترجيحاً، لأن طهران قد تعتقد أن زيادة الضغط العسكري ستسمح لها بالعودة إلى المفاوضات لاحقاً من موقع أفضل، وتقديم تنازلات أقل.
لكن استمرار التصعيد يحمل مخاطر كبيرة على إيران، خصوصاً مع تآكل قدرتها الاقتصادية وتراجع فاعلية ورقة مضيق هرمز. ووفق «وول ستريت جورنال»، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت إيران تستطيع استخدام المضيق للضغط على خصومها، وإنما إلى أي مدى تستطيع تحمل كلفة استمرارها في إغلاقه بينما يستمر النفط الخليجي في الوصول إلى الأسواق.