عندما عملت في واشنطن، أتذكر حين وصلت أول مرة إلى مطار دالاس ركبت (تاكسي) إلى منطقة فرجينيا وسألني السائق حينها من أين أنت؟ فأجبته من السعودية... فذكر لي: "أنتم سعوديو أميركا محظوظون بسفير فوق العادة في رعايته لكم، ودهائه السياسي وعلاقته بالبيت الأبيض الذي تعرفه أبوابه جيداً وفي أي وقت يشاء!".
وفعلاً كان ذلك مهندس العلاقات السعودية الأميركية الأمير بندر بن سلطان الذي رسم الحنكة السياسية السعودية مع التوفيق الكامل لرعاية السعوديين في أميركا لمدة ثلاث وعشرين سنة عميداً للسلك الدبلوماسي في واشنطن، ومدرسةً خاصة في الدبلوماسية السعودية تخرج من تحت عباءتها عدة سفراء فوق العادة ومنهم سفيرنا الحالي في واشنطن عادل الجبير وكذلك سفيرنا في القاهرة أحمد القطان وغيرهما من الكفاءات، الذين أصبح لهم شأن في الخارجية السعودية، شهدت له واشنطن والمجتمع الدولي كلاعب مؤثر في ملفات كبيرة حملها بكل تفان ودهاء، منافحاً عن وطنه في كل الاتجاهات خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تكتف سيرته بالجانب السياسي فقط بل قدم أعمالاً جليلة لم ينسها الآلاف من مسلمي وعرب وسعوديي فرجينيا وواشنطن دي سي فكانت فكرته ببناء وتأسيس الأكاديمية الإسلامية السعودية وكذلك المراكز الإسلامية ودعمه لعدة قضايا مثلتهم كان فيها الفيصل في الحل والربط.
وامتداداً للقرارات الحكيمة والدبلوماسية السعودية المتزنة من أجل الاستقرار السياسي، وإحداث تغييرات لصالح الوطن ومستقبله الأمني جاء قرار تعيين الأمير بندر بن سلطان رئيساً للاستخبارات العامة، إضافةً إلى منصبه أميناً عاماً لمجلس الأمن الوطني.
وعندما تعود لشخصية هذا السعودي تجده باختصار شريكاً في هندسة السياسة السعودية الدولية، وكأنه يحمل المقعد السادس في منظومة الأمم المتحدة، كما قال عنه وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر الذي عاصر الأمير بندر منذ أن كان رئيساً لطاقم البيت الأبيض في عهد رونالد ريجان ووزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الأب.
يقول المؤلف البريطاني ويليام سمبسون في كتاب ألفه عن الأمير بندر بن سلطان: "قضى بندر بن سلطان سفيراً في واشنطن، المدينة الأكثر نفوذاً وتأثيراً في العالم، حيث يتوجب على السفراء أن يقضوا أوقاتاً كثيرة لجذب الانتباه، فهم يتنافسون في الحصول على العناوين الرئيسية (في الإعلام الأميركي) مع أعضاء مجلس الشيوخ والكونجرس، وبالطبع مع الرئيس الأميركي نفسه، ومعروفٌ أن دور السفراء العرب ضعيف في واشنطن، لكن، وكما لكل قاعدة استثناء، فقد كان الأمير بندر بن سلطان هو أحد الاستثناءات، فقد عمل في منصب سفير السعودية إلى أميركا لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، لكنه كان أكبر بكثير من مجرد مبعوث تقليدي، فقد كان لاعباً ذا امتياز في واشنطن، وصانعاً عالمياً لعملية السلام، وعنصراً مغيراً للتاريخ فقام بدور محوري في معظم القضايا العالمية خلال الثمانينيات والتسعينيات، ولعب دوراً في ملفات عديدة، وقضى على تأثير اللوبي الإسرائيلي النافذ في معارضة صفقة أسلحة أميركية مع السعودية...
وعند تتبع إنجازاته تجد أن بندر بن سلطان قام بأعمال فريدة في عالم السياسة ودهاليزها التي لا تعترف إلا بالأقوياء والأذكياء فقط، فقد أقام علاقة جيدة مع بيل كلينتون، ولكنه تمتع بنفوذ وتأثير كبير خلال عهدي رونالد ريجان وجورج بوش الأب ثم الابن، فكانت له نشاطاته وصولاته وجولاته غرباً وشرقاً، وكان رسولاً حكيماً في المفاوضة وتحقيق الأهداف، ومنجزاً في عدد من مبادرات السلام التي تولاها بنفسه كإنهاء الحرب الأهلية في لبنان وإنهاء أزمة لوكيربي، ودور بارز في الدبلوماسية السعودية لإنهاء الحرب الإيرانية العراقية، ودور رئيس في مسألة إيران - الكونترا، وفي سحب القوات السوفيتية من أفغانستان.
كثير من المحللين السياسيين أكدوا أن قرار عودة خريج الكلية الملكية للقوات الجوية في كرانويل بإنجلترا، بندر بن سلطان يحمل الكثير من الذكاء لأصحاب القرار السعودي وأحد الأصول الاستراتيجية الرئيسية للبدء في تحركاته وعودته من جديد، يقول (جون هنا) نقلا عن مجلة فورن بوليسي الأميركية في مقاله: "وأخيراً، عاد بندر بن سلطان مجدداً، عاد سفير السعودية الأسطوري السابق في واشنطن، وها هو مرة أخرى، يحجز مقعده على المسرح العالمي..".
بندر بن سلطان يبقى الشخصية القادرة على التعامل مع الأحداث برؤية تستطيع استثمار أساليب السياسة الهائلة نظراً لمؤهلاته ومهاراته وعلاقاته الضخمة وخبراته المتراكمة في الأداء والتحركات بالإضافة إلى أن وجوده في خضم التطورات السياسية والمخاطر التي تسـتهدف المملكة من عدة جهات مما اسـتدعى عـودته على وجه الـسرعة لمساعدة المملكة في التعامل السياسي المحنك الذي تتطلبه المرحلة.