شهدت الجبهات اليمنية تصعيدا عسكريا متسارعا تتقاطع فيه معارك الداخل مع تهديد خارجي مباشر طال الأراضي السعودية، في مشهد يكشف تحول الساحل الغربي إلى مركز ثقل إستراتيجي تديره طهران عبر أذرعها، بينما تتوسع دائرة الإدانة الدولية للهجمات الحوثية التي أصابت للمرة الأولى منذ فترة طويلة عمقا مدنيا سعوديا بهذا الحجم. فبين تقدم حكومي متواصل في تعز ومأرب والجوف، وقصف صاروخي وطائرات مسيرة استهدفت نجران وجازان وأبها وخميس مشيط، تتجه المواجهة اليمنية إلى منعطف يتجاوز حدود الداخل ليضع الملف برمته أمام معادلة إقليمية جديدة.

تصعيد الساحل

تخوض القوات اليمنية مواجهات ضارية على امتداد الساحل الغربي، حيث تتركز أعنف المعارك في الكدحة والبرح والوازعية غربي تعز، بعدما أعلنت القوات المسلحة بمحور تعز وقوات درع الوطن بدء عملية عسكرية مشتركة لتحرير منطقة الكدحة بمديرية مقبنة. وأكد أركان حرب المحور اللواء عبدالعزيز المجيدي أن القوات المشاركة تمكنت من استعادة منطقتي المكازمة والميهال وعدد من التباب المحاذية لهما، وسط استمرار الاشتباكات بشراسة مع ميليشيا الحوثي. وترافق ذلك مع غارة استهدفت تجمعا ومركز قيادة حوثيا في مدرسة الرحبة بجبل حبشي، بعدما استُخدم الموقع لأغراض عسكرية.


وفي المقابل، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات كبيرة نحو المناطق المهددة بالتحرير، وزرعت كميات كثيفة من الألغام في محاولة لإبطاء زحف القوات الحكومية، فيما تشير مصادر ميدانية إلى ارتفاع خسائر الميليشيا جراء الاشتباكات والضربات الجوية. ويكتسب الساحل الغربي أهمية تتجاوز حدود تعز، كونه يشكل الطريق المؤدي إلى المخا وباب المندب، وهو ما تعتبره الحكومة اليمنية جزءا من أهداف إيرانية تسعى لتعزيز نفوذ الحوثي وتهديد الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية عالميا.

جبهات مأرب

أحرزت القوات الحكومية تقدما غربي مأرب، مع شن وحدات المنطقة العسكرية السابعة هجوما باتجاه مواقع الحوثيين شمال المحافظة، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت تعزيزات الميليشيا في مديرية صرواح. أما في الجوف، فتواصل القوات الحكومية تثبيت مكاسبها بعد استعادة مواقع في مديرية خب والشعف ومنطقة اللبنات، فيما تحاول تضييق الخناق على مجموعات حوثية داخل معسكر اللبنات عبر قصف جوي ومدفعي يستهدف محيط مدينة الحزم، سعيا للوصول إلى خط الإمداد الشمالي للمعسكر ومنع وصول تعزيزات إليه.

الدور الإيراني

كشفت مصادر يمنية مطلعة أن النظام الإيراني يولي جبهات الساحل الغربي أهمية خاصة لارتباطها بأهدافه الجيوسياسية، ووجه الحرس الثوري لتكثيف دوره العسكري فيها. ونقل إعلام المقاومة الوطنية أن قيادة المعارك في الساحل وغربي تعز أُسندت إلى القيادي البارز في فيلق القدس والحاكم العسكري الفعلي على ميليشيا الحوثي، عبدالرضا شهلائي، بالتزامن مع رصد قيادات حوثية من الصف الأول في جبهة البرح بمديرية مقبنة. ويرى مراقبون أن هذا الانخراط الإيراني المباشر في إدارة المعارك يمنح جبهة الساحل الغربي أولوية خاصة، نظرا لقربها من البحر الأحمر وباب المندب وأهميتهما لأمن الملاحة الدولية.

استهداف السعودية

في تطور خطير، أعلن التحالف العربي أن ميليشيا الحوثي استهدفت أعيانا مدنية واقتصادية في مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ما أسفر عن إصابة 73 مدنيا بينهم نساء وأطفال، بعدما أُطلق الإنذار المبكر في المناطق المستهدفة قبل إعلان زوال الخطر. وردا على الهجوم، أصدر مجلس الوزراء السعودي بيانا شدد فيه على أن التصعيد الحوثي يهدد استقرار اليمن ومحيطه العربي والإسلامي، مؤكدا رد المملكة الحازم على النهج العدائي والسلوك الإجرامي للميليشيا، ومشيرا إلى استمرارها في استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، وأن الرياض ماضية في الدفاع عن سيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

إدانات دولية

وتوالت الإدانات الدولية، إذ أعرب المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك عن قلق بالغ إزاء الهجوم والإصابات المدنية، داعيا الأطراف إلى ضبط النفس والامتناع عن استهداف المدنيين والبنية التحتية، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. كما أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات بشدة، واصفا استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية بأنه أمر غير مقبول، محذرا من أنها تمثل تصعيدا خطيرا يقوض الأمن الإقليمي ويهدد جهود الحل السياسي. وفي واشنطن، أكدت السفارة الأمريكية لدى اليمن حق الحكومة اليمنية الكامل في الدفاع عن شعبها وإنهاء قدرة ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران على ممارسة الإرهاب، محملة الجماعة مسؤولية بدء هذا الصراع.

مأساة النزوح

كشفت بيانات أممية حديثة عن تفاقم الوضع الإنساني في غرب تعز وجنوب الحديدة، مع نزوح أكثر من 18 ألف شخص خلال ثلاثة أيام بمعدل يقارب 6 آلاف نازح يوميا، جراء تصاعد العمليات العسكرية. وأفادت مصفوفة المنظمة الدولية للهجرة بأن النزوح يتركز في المناطق الواقعة غربي تعز، وعلى امتداد الساحل الغربي وجنوب الحديدة، مع تسجيل موجة نزوح ثانوية لأسر سبق أن نزحت إلى مواقع في مديرية حيس. وتواجه مناطق الاستقبال، ومنها المخا وموزع والمعافر وجبل حبشي، ضغوطا متزايدة مع تراجع مخزونات الإغاثة الطارئة، في وقت تحد فيه اضطرابات الطرق وانقطاع الاتصالات من قدرة المنظمات على الوصول إلى النازحين وتسجيلهم.