شيء غريب يطفو على سطح المجتمع في الآونة الأخيرة، وهو الحس المتنافر وانفصام عرى الحميمية بين الناس، حتى يصل الأمر في بعض الأحيان إلى التساؤل عن سبب إلقاء السلام؟ وعما وراء صاحبه؟ وهدفه؟ وأغراضه؟ ومطامعه؟ وما يخفيه من مناورات معلنة أو غير معلنة؟ وكأنه قد خلق لكي يتصيد الفرص لسيتولي على جيبك أو ابنك أو ابنتك أو مقتضيات عملك أو سرقة مهاراتك. كلها أشياء تدور في ذهن الواحد لمجرد أن أخاه ألقى عليه السلام. إنها أشياء دخيلة على مجتمعاتنا لها خطرها الواضح على الإبداع والإنتاج والمعرفة، فدعونا نتتبع خطى هذه الظاهرة، إن جاز التعبير.
منذ أن هبط الإنسان على الأرض وهو يحاول أن يتحد مع الطبيعة، فتفاعل معها واتصل بمعطياتها اتصالا وثيقا، فكان مكمن بقائه هو تفاعله، ثم عاش في جماعات ليكون سر بقائه ووحدته ومتعة وجوده هو التواصل والحميمية في كيان جماعي يغذي شريان الرباط الجماعي الذي يستمد منه القوة والطاقة والقدرة على الإنتاج والتناسل والعمل بشكل فعال يثري واقعه وعصره لتكتمل دورة الحياة، فأبدع، فالإبداع هو نتاج عملية اتصال يدفعها إلى الأمام لاستمرار عملية التواصل. فصنع النول والمحراث ونقش على الكهوف وفكر في قوى أخرى وحاول الاتصال بها أو السيطرة عليها. للتواصل أيضا قسط كبير من الإبداع إذا ما اعتبرنا أن الإبداع طاقة خلاقة توصل عرى المجتمع المفصومة. فالاتصال هو المحك الفعلي لعملية التواصل، ليحصل على المتعة، وبالتالي الإبداع المتدفق عبر قنوات العبقرية.
إن الحكايات والأساطير البديعة ستبقى آثارا خالدة وفريدة، وتشهد على ذلك العصر يوم كان الوعي البشري يشعر أنه في تداخل سيال وفي وحدة بهيجة مع الطبيعة ومع الآخرين، فوقتذاك ببساطة ودون عناء أو عذاب كان الوعي يخضع العالم لفطريته المستفيضة التي لم تستطع في البدايات أن تكون محددة أو محدودة، بل كانت تلعب وتتمتع ببراءتها بسلطة على الأشياء غير مثقلة نفسها بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها والأشياء الحقيقية.. إنها تتم بصورة تلقائية عفوية وفطرية، إنها بحث غير مقصود عن التواصل واتساق النسق الداخلي للإنسان وإيقاعه مع الحياة، مما يحدث المتعة.. فالعمل أو النشاط في الفعل يعد متعة، ومصدر هذه المتعة يكمن في حرية التحكم في مادة العمل وفي ظروفه وفي الحصول على المعرفة.
إن المعرفة وما في وعينا من معتقدات وأفكار وتصورات ليست غاية وإنما هي وسيلة، مادة يتكون بواسطتها الفعل بوصفه بنية نموذجية محددة، وبالتالي فالإنسان هنا يتلقى المتعة، وقد مارس الإنسان القديم فنونه وإبداعاته بمتعة فائقة ورغبة داخلية منه في التواصل مع العالم وإرساء جسر المعرفة بينه وبين العالم بغرائزه الفطرية التي صنفها أدموند هولمز بغرائز ست:
1_ غريزة التواصل.. الرغبة في التكلم والإصغاء.
2_ الغريزة الدرامية.. في الرسم والتصوير والتشكيل.
3_ الغريزة الموسيقية.. الرغبة في الرقص والغناء "الغرائز الجمالية".
4_ غريزة الاستطلاع.. الرغبة في معرفة سبب الأشياء.
5_ الغريزة الفنية.. الرغبة في الرسم والتصوير "الدهان" والتشكيل.
6_ الغريزة الإنسانية.. الرغبة في صنع الأشياء، غرائز علمية. وبهذه الغرائز الست التي صنفها هولمز استطاع الإنسان أن يحاول صياغة عالمه رغبة في الاتساق مع الذات أولاً ثم العالم المحيط به بحثا عن المتعة في أول خيط لها وهو الاتصال والحميمة بين البشر. قد يكون الاتصال ممكنا ونحن مع بداية الألفية الثالثة نتطلع إلى خطط شتى طموحة للتطور الشامل معتمدة على التحديث والتغيير، وعلى التنمية الشاملة لقطاعات الإنتاج ومصادر الدخل القومي، ومنها قطاعات الثقافة والفنون والآداب والصناعة، وعبر ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبح لزاما علينا ـ منتجين ومبدعين وصناعا ومهرة وحرفيين وموظفين ـ الذوبان في بوتقة الفكرة والاشتغال بتفعيلها والإفادة منها، وذلك في ضوء معتقداتنا وفكرنا المحمل بهوية خاصة وعبر ضفيرة بشرية محبة للخير وللعدل وللسلام. وقد تلعب تكنولوجيا المعلومات الدور الأكبر في عملية الاتصال ولكن الهم الأكبر والمهم هو عملية التواصل. هو استمرار التيار الدافق في شريان الفكر والإحساس لتتلاحم بنيته الاجتماعية وتتفاعل, فالإنسان البدائي اتصل فتواصل فأبدع، بينما مبدع الألفية الثالثة اتصل ففقد التواصل ونحا نحو الاغتراب. فقد عانت مجتمعاتنا في العقود الأخيرة نوعا من الدائرية والانكفاء على الذات وخاصة في المجتمع السعودي، وذلك يرجع إلى الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدن مع اتساع رقعة المساحة مما عمل على تنوع الثقافات والعادات والتقاليد وبدلا من تلاقحها وتنمازجها نجد تصادمها في أغلب الأحيان وتنافرها تبعا لطبيعة البلد التي يفد منها الفرد، ومناخ هذه البلدة، وبالتالى تكوين أبنائها، ومن هنا يتكون في المكان الواحد الذي يقدر بعشرات الأمتار مجموعة من الثقافات المختلفة في العادة وتداولها، فأصبح الفرد يحيا داخل دوائر غير متجانسة قد تروق لبعض ولا يستسيغها البعض الآخر، وهنا تكمن خطورة الاغتراب على مجتمعنا. والاغتراب كما عرفه هيجل هو أن يضيع الإنسان شخصيته الأولى، أما عند مونيه فهو جهد متصل للبحث عن المجالات التي يستطيع الإنسان أن ينتصر فيها على أنواع القسر أو الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والأيديولوجي حتى يصل إلى تحرير نفسه تحريراً حقيقياً، فالإنسان يضيع نفسه عندما يصبح غريباً عنها، أي عندما يفقد حريته. وربما عزز من هذا الإحساس بالغربة هو الهجرة من الريف إلى المدن، ثم اجتماع عدد من البشر مختلفي العادات والتقاليد في مكان واحد مما يحدث ما يسمى في علم النفس بـ (الصدمة الحضارية).
Culture shock ولهذا الإحساس انعكاسه على الإنتاج وإلا لما جعلت اليابان وأغلب الدول الصناعية العمل مصدرا من مصادر المتعة لارتباط المتعة بغزارة الإنتاج، والركيزة الأولى لمتعة العمل هو الإحساس بالحميمية والود، وإلا ما أو صانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام والابتسام وهما أولى لبنات الحب والحميمية والتواصل، فلا إنتاج بدون متعة ولا متعة بلا اتصال وتواصل.