قبل أيام قليلة توفي المدرب الشهير ستيفن كوفي Stephen Covey، صاحب الكتاب الأشهر: "العادات السبع للناس الأكثر فعالية"، والذي يعد ضمن قائمة أكثر الكتب مبيعاً، ليس فقط في الولايات المتحدة الأميركية، بل في العالم أجمع. هذا الرجل أفنى عمره في التسويق للمبادئ الإدارية المبتكرة، وترويج مفاهيم إدارة الوقت، لكنه رغم كل هذه الجهود، وقصص النجاح التي يقدمها، لم يقدم نموذجاً حقيقياً متكاملاً لشخصية واحدة على أرض الواقع، نستطيع أن نستلهم منها العبرة والقدوة لكل هذه العادات في آن واحد.
هنا في بلادنا لدينا قامة كبيرة، اختطت لنفسها درباً إدارياً مميزاً، قلما تستطيع مقارنته بأي نهج والتزام إداري آخر، قامة لا يمكن مقارنتها بما يوجد في كتب الإدارة والتطوير الإداري، والتي تعج بها المكتبات التجارية، قامة حقيقية نعرفها ويعرفنا، قامة تركت التنظير والأقوال، وأثبتت أن الالتزام حقيقة واقعية؛ إنه سلمان بن عبدالعزيز، الرجل الذي أصبح اسمه مرادفاً لدقة المواعيد، وبالتالي إدارة الوقت. في الفقرات القادمة نستعرض ملامح سريعة من السيرة الفريدة لهذا الإداري المخضرم.
تتمحور أفكار "ستيفن كوفي" كلها حول حسن استغلال الوقت، والاستفادة من المصادر المتاحة والخبرات السابقة والظروف الحالية، لكن كلمة السر الأولى هي: حسن إدارة الوقت، وخير من عرف بالتزامه الوقتي في بلادنا بلا منازع؛ هو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ودائماً ما أستشهد بما لمسته بنفسي خلال عملي السابق، حيث كنت مسؤولاً عن تمثيل الشركة التي كنت أعمل فيها في المحافل الوطنية، وتشرفت بالسلام على سموه أكثر من مرة، لكنها أهمها حدث خلال حفل المؤسسة العامة للتعليم الفني والمهني منتصف عام 2008م، حيث كانت رقاع الدعوة تشير إلى أن مراسم حفل الملتقى التقني الخامس سوف تبدأ الساعة الثامنة وخمسٍ وثلاثين دقيقة، وهو ما حدث بالدقيقة والثانية، وقد كان موكب سموه قد وصل إلى مقر الكلية التقنية بالرياض قبل الموعد المحدد بأربع أو خمس دقائق، لينتظر سموه الكريم في قاعة جانبية، حتى حان الوقت المحدد. والمثير للاهتمام أن جميع ضيوف الحفل والمدعوين والمكرمين كانوا موجودين في قاعة الاحتفال قبل بداية الحفل، لأنهم جميعاً كانوا متأكدين من حضور راعي الحفل في الوقت المحدد، ويا لها من رسالة تربوية رائعة، واحترام متبادل بين الراعي ورعيته، هذا الالتزام الإداري، لم يخل من لمسة شخصية رائعة، فكنت ألحظ قدرة سموه العجيبة على التعرّف الشخصي على الأفراد، وسؤالهم عن أقارب لهم يعرفهم الأمير، فضلاً عن موسوعيته في قبائل وعوائل المملكة كلها، وليس فقط منطقة نجد.
جانب إداري آخر برز فيه الأمير سلمان، حيث ابتكر الأمير سلمان طريقة خاصة في قراءة المعاملات، فهو يقرأ بسرعة فائقة، مع استيعاب كبير، وغالباً ما تقع عينه على لب الموضوع وغايته، وقد أطلق معالي الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله- على هذه الطريقة في كتابه "حياة في الإدارة": "الطريقة السلمانية"، نسبة إلى الأمير سلمان بن عبد العزيز، فيكاد ينفرد بمثل هذا الأسلوب في القراءة، والتي استفاد منها القصيبي خلال توليه وزارة الكهرباء. وملخص هذه الطريقة حذف المقدمة والنهاية، والتركيز على لب الخطاب، فضلاً عن تنمية عادة القراءة السريعة. ومن عجيب ما يروى من حسن إدارة الوقت وكفاءته ما ذكره الكاتب الدكتور محمد البشر في عموده في صحيفة الجزيرة من أن الأمير قد تلقى نحو ستمئة وسبيعن اتصال تهنئة خلال أحد الأعياد! وهو عدد هائل خلال مدة قصيرة، لكنها الهمة العالية والحرص على التواصل مع جميع فئات المجتمع، وأصدقاء المملكة كذلك، ولنا أن نتصور أن بعض تلك الاتصالات تحمل هموماً وأفكاراً تسلتزم النقاش والاسترسال في الحديث!
ولعلي أختم بالمقطع المرئي المتداول في "اليوتيوب" وبثته القناة الثقافية، لسمو الأمير سلمان وهو يطوف حول الكعبة الشريفة، دونما حراسة شخصية، وفي تلاحم حقيقي بينه وبين أفراد شعبه، جولة سريعة لتعليقات المشاهدين تفصح عن حب متبادل، ومشاعر جياشة، تجاه رجلٍ جعل مصلحة بلاده ومواطنيه قبل كل شيء، وما إنجازات الرياض – العاصمة والمنطقة- خلال العقود الأخيرة إلا دليل على الرؤية الواضحة والهدف الدقيق. لقد تحوّلت الرياض إلى عاصمة حديثة، لا تكاد تفرقها عن عواصم العوالم المتقدمة، سواء على مستوى البنية الأساسية أو مستوى التوزيع الديموجرافي، ووزارة الدفاع تعيش حالياً على طفرة إدارية متوقعة، فالطريقة "السلمانية" ليست في القراءة فقط، بل هي منهج إداري متكامل، تجعلنا نؤمن أن النماذج الإدارية الناجحة ليست حكراً على الغرب أو على صفحات كتب التطوير الإداري.
كم نحن بحاجة إلى تعميم مثل هذا المنهج الإداري المبارك، ولكن حسبنا وجود هذه القامة بيننا، فلعنا نستفيد منه ونتعلم.