وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة مع كون مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في الاقتصاد العالمي؛ إذ عبره في 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. ومع اضطراب حركة الملاحة في المضيق خلال 2026، تراجعت التدفقات إلى مستويات قريبة من التوقف، ما وضع المنتجين والمستهلكين وسلاسل الإمداد أمام اختبار غير مسبوق.
من جغرافيا الخليج إلى تعدد المسارات
في مواجهة هذا النوع من المخاطر، لا تملك دولة بمفردها القدرة على إلغاء أهمية مضيق هرمز، لكن امتلاك مسارات بديلة يتيح تقليل درجة الاعتماد على نقطة اختناق واحدة.
وهنا برزت أهمية خط أنابيب شرق–غرب، الذي يمتد عبر المملكة من المنطقة الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر. ورفعت أرامكو طاقته إلى 7 ملايين برميل يوميًا، فيما وصل تشغيله إلى طاقته القصوى خلال الربع الأول من 2026، بما أتاح دعم صادرات النفط عبر الساحل الغربي للمملكة. وتؤكد الشركة أن الاستثمار في البنية التحتية الحيوية والتخطيط للطوارئ أسهما في استمرارية العمليات خلال الاضطرابات.
وهذه القدرة ليست وليدة الأزمة؛ فالخط يمثل استثمارًا إستراتيجيًا يعود إلى عقود مضت، قبل أن تتغير طبيعة المخاطر الجيوسياسية والتجارية التي تواجه أسواق الطاقة العالمية. وتكشف الأزمة الحالية قيمة تلك الاستثمارات عندما تتحول المنشآت التي بُنيت لأهداف تشغيلية وتجارية إلى أدوات لزيادة مرونة الاقتصاد.
ينبع البوابة الغربية للطاقة
كان ميناء ينبع أحد أبرز المستفيدين من إعادة توجيه تدفقات الطاقة. ووفق تحليل وكالة الطاقة الدولية، ارتفعت صادرات النفط من ينبع من نحو مليوني برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة إلى أكثر من 5 ملايين برميل يوميًا في أوائل يونيو 2026، مع توظيف خط شرق–غرب في نقل الخام إلى الساحل الغربي.
وتوضح هذه الأرقام أن الموقع الجغرافي للمملكة يمنحها ميزة إضافية؛ فهي تمتلك واجهتين بحريتين، على الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يسمح بربط مناطق الإنتاج في الشرق بمنافذ تصدير في الغرب.
ولا يعني ذلك أن الساحل الغربي يمكن أن يحل محل الخليج بالكامل، أو أن مضيق هرمز يمكن الاستغناء عنه، فوكالة الطاقة الدولية تقدر الطاقة المتاحة لمسارات تصدير النفط البديلة في السعودية والإمارات بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا. لكن وجود هذه المسارات يوفر هامشًا إضافيًا للحركة عندما تتعرض طرق التجارة التقليدية للاضطراب.
الموانئ خط الدفاع الثاني
لا تتوقف منظومة البدائل عند النفط. فالسعودية عملت خلال السنوات الماضية على تطوير منظومة موانئ متعددة الوظائف، وربطها بشبكات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية.
وتظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن عدد المراكز اللوجستية المفعلة في المملكة ارتفع إلى 23 مركزًا في 2024، بمساحة إجمالية بلغت 34.6 مليون متر مربع، فيما تجاوز عدد المستودعات التجارية المرخصة 12.2 ألف مستودع، بمساحة تزيد على 22 مليون متر مربع. كما بلغت كميات الشحن عبر النقل البحري 331.3 مليون طن، مقابل 25.7 مليون طن عبر المنافذ البرية و15.6 مليون طن عبر السكك الحديدية.
هذه الأرقام تعكس تحولًا أوسع في وظيفة البنية التحتية السعودية؛ من مجرد استقبال وتصدير البضائع إلى بناء شبكة متعددة الوسائط تستطيع توزيع الحركة بين البحر والطرق والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية.
الأزمة تختبر جاهزية الشبكة
ولم تنتظر المملكة تفاقم اضطرابات الملاحة حتى تبدأ في توسيع خيارات الشحن. ففي مارس 2026 أعلنت الهيئة العامة للموانئ إضافة خمسة خدمات ملاحية جديدة بالتعاون مع شركات عالمية، بطاقة إجمالية تقارب 63.594 حاوية قياسية، بهدف تعزيز مرونة القطاع واستمرارية سلاسل الإمداد في ظل التوترات التي شهدها مضيق هرمز.
كما أضيفت خدمات ملاحية أخرى إلى ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، بما يعزز الربط مع موانئ إقليمية ودولية ويزيد خيارات المصدرين والمستوردين. وتنسجم هذه الخطوات مع مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية الرامية إلى ترسيخ موقع المملكة كمركز لوجستي يربط ثلاث قارات.
وبذلك، فإن البديل السعودي لا يقوم على طريق واحد، بل على مجموعة من المسارات المتكاملة: خط أنابيب، وموانئ على البحر الأحمر، ومخزونات، وشبكات طرق وسكك حديدية، ومراكز لوجستية، وخدمات ملاحية متعددة.
من حماية الطاقة إلى حماية سلاسل الإمداد
كما تكمن أهمية هذه المنظومة في أن تداعيات أزمات الممرات البحرية لا تقتصر على النفط. فتعطل طريق رئيسي للتجارة يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في مواعيد التسليم وتوافر المواد الخام والسلع، وهو ما يجعل مرونة سلاسل الإمداد جزءًا من الأمن الاقتصادي للدول.
وفي هذا السياق، أعلنت دول مجلس التعاون خلال الأزمة تفعيل ممرات لوجستية بديلة وإعادة توجيه شحنات من موانئ الخليج العربي إلى موانئ بديلة على البحر الأحمر وبحر العرب، مدعومة بتسهيلات جمركية ولوجستية لضمان استمرار تدفق الإمدادات.
وهنا تتجاوز أهمية البنية التحتية السعودية حدود الاقتصاد المحلي؛ فوجود موانئ وخطوط نقل ومراكز لوجستية على الساحل الغربي يوفر جزءًا من شبكة أوسع يمكن أن تستفيد منها حركة التجارة الإقليمية عندما تتعرض الممرات التقليدية للضغط.
استثمار الأمس مرونة اليوم
أحد أبرز الدروس الاقتصادية التي أظهرتها الأزمة أن مرونة الاقتصاد لا تُبنى أثناء الأزمة، وإنما قبلها بسنوات.
فخط شرق–غرب، وموانئ البحر الأحمر، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، ومراكز التخزين، والاستثمارات اللوجستية، لم تُنشأ استجابة لحادثة واحدة، وإنما جاءت ضمن مسار طويل لتنويع الاقتصاد وتطوير موقع المملكة كمركز للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية.
وتؤكد تطورات 2026 أن مضيق هرمز سيظل ممرًا محوريًا للطاقة العالمية، وأن البدائل المتاحة لا تستطيع ببساطة استبدال قدرته الاستيعابية بالكامل. لكن تجربة المملكة أظهرت أن امتلاك بنية تحتية متعددة المسارات يمكن أن يوفر قدرة أكبر على المناورة وتقليل أثر الاعتماد على نقطة اختناق واحدة.
وهذه المرونة لا تعني غياب المخاطر. فالبدائل نفسها تحتاج إلى حماية وتشغيل واستدامة، كما أن قدرتها الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر عبر هرمز.
لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في امتلاك الخيار.
ففي دولة تمتد جغرافيتها بين الخليج العربي والبحر الأحمر، تحولت هذه الجغرافيا إلى أصل إستراتيجي؛ خطوط أنابيب تربط الشرق بالغرب، وموانئ تفتح على طرق بحرية مختلفة، وشبكات نقل تربط مناطق الإنتاج والاستهلاك، ومنظومة لوجستية تتوسع عامًا بعد عام.